تتجه الأوضاع في تونس الى مزيد من التأزم بسبب فشل الحكومة في احتواء حالة الاحتقان الاجتماعي، إضافة الى الخلاف المحتدم حول طبيعة الحكم، ويرى المراقبون أن الخريف القادم سيكون عاصفاً لأسباب عدة منها حلول الذكرى الأولى لانتخابات 23 أكتوبر 2011 دون الوصول الى تحديد موعد للانتخابات المقبلة ودون الحسم في مضمون الدستور الجديد.

وتشهد المناطق الداخلية إشارات الفوضى والانفلات وعودة الاعتصامات والإضرابات، حيث شهدت مدينة صفاقس شللاً تاماً للحركة خلال الأيام الماضية ويهدد نقابيوها بـ«العصيان المدني».

ويرى أبناء المناطق الداخلية أن أوضاعهم تسير نحو الأسوأ بسبب ارتفاع معدلات البطالة والفقر والتضخم وغلاء الأسعار وتراجع مستوى الخدمات من ماء و كهرباء ونظافة المحيط الى مستوى لم تعرفه البلاد منذ عقود.

كما تتجه علاقة الحكومة بالنقابات الى مزيد التأزم بعد اعتقال عدد من النقابيين في مدينة صفاقس، ثاني أكبر المدن التونسية، واتساع دائرة الاضرابات، وقرار الحكومة بخصم أجور أيام الاضرابات عن موظفي الدولة في حالة غير مسبوقة.

ويعتقد المراقبون أن الصراع على السلطة في تونس خصوصا بعد أن تبيّن إصرار حركة النهضة على البقاء في الحكم، سيحتدم خلال الخريف المقبل، وأن الاسلاميين سيعملون على كبح جماح منافسيهم السياسيين، وخاصة حركة نداء تونس بزعامة الباجي قائد السبسي والتي استطاعت الانتشار بقوة في مختلف المناطق الداخلية.

وكان الاسلاميون حاولوا اختراق الاتحاد العام التونسي للشغل في أكثر من مناسبة إلا أنهم فشلوا، ويعتبر الحداثيون والتيارات اليسارية ومنظمات المجتمع المدني والاحزاب الديمقراطية أن الاتحاد العام التونسي يعتبر صمّام الأمان للمجتمع باعتباره القوة الاجتماعية الأبرز والأكثر تأثيرا في الشارع التونسي.

وتحاول حركة النهضة السير على منوال النموذج التركي في اختيار النظام السياسي إلا أن إجماعا يكاد يحصل بين التونسيين حول عجز النهضة التماهي مع النموذج التركي الذي ينطلق من مجتمع علماني مازال يسير على هدي فكر كمال أتاتورك في حين تسعى الحركة التونسية الى إرساء مجتمع ديني يقطع نهائيا مع طبيعة الدولة التونسية التى أرساها الزعيم الحبيب بورقيبة أو «اتاتورك تونس» كما يسميّه الاسلاميون.

المرأة في الأزمة

وتحتل قضية حقوق المرأة حيزاً مهماً من محور الأزمة بعد أن تبيّن رفض نواب حركة النهضة التنصيص في الدستور الجديد على المساواة بين الجنسين، مكتفين بالحديث عن مبدأ التكامل بين الجنسين، بحيث إن تراجع الاسلاميين عن وعودهم السابقة بحماية حقوق المرأة التونسية والتي حصلت عليها بموجب قانون الاحوال الشخصية الصادر في العام 1956 سيجعلهم في مواجهة مفتوحة مع نصف المجتمع ومع التيارات الحداثية والليبيرالية اليسارية المدافعة بشدة عن حقوق النساء.

وفي حين تحاول حركة النهضة الهيمنة على مفاصل الدولة عبر تعيينات وظيفية وإدارية متهمة بعدم الكفاءة وبالخضوع للامتيازات الحزبية دون غيرها بات الشارع التونسي يتحدث عن الحركة الإسلامية الحاكمة باعتبارها التجمع الدستوري الديمقراطي (الحاكم سابقا) بعد رشّه ببهارات الإسلام السياسي والشعارات الدينية.

تراجع شعبية النهضة

وعرفت تونس خلال الأسابيع الماضية تراجعا في شعبية حركة النهضة الإسلامية الحاكمة بعد فشلها في تحقيق عدد مهم من وعودها الانتخابية وضعف أداء حكومتها واتضاح ارتباطها بمشاريع خارجية تهدف الى إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة العربية عبر تحالف تنظيم الإخوان المسلمين مع قوى دولية وإقليمية لا يرتاح لها التونسيون

وترفض النهضة الاعتراف بتراجع شعبيتها، وتحاول أن تعيد ذلك الى ما تعتبره تحامل الإعلام عليها، ومغالطات المعارضة، مما يجعل نسبة هامة من التونسيين ترى أن الحركة الإسلامية الحاكمة ستحاول تأجيل الانتخابات القادمة الى أبعد مدى ممكن، وتعيين هيئة جديدة للانتخابات تكون على مقاس طموحها للبقاء في الحكم .

مناوشات

 

جرت بمنطقة باجة الشمالية في تونس بعض المناوشات وأحداث عنف بجامع الهداية بين مجموعتين من المصلين المحسوبين على التيار السلفي وصلت إلى حد استعمال الغاز المسيل للدموع من قبل عدد منهم.

واضطر المصلون إلى الهروب أثناء صلاة التراويح بعد أن سادت حالة من الخوف والهلع نتيجة أعمال العنف واستعمال الأسلحة البيضاء وتبادل التهم والتراشق بالكلام البذيء في ظل غياب كلي لقوى الأمن.

وأصل الخلاف، إقدام مجموعة من المصلين على الإفطار داخل الجامع قبل آذان المغرب بدقائق اقتداء بأحد المفكرين المشرقيين (ربيع المدخلي) وهو ما رفضته مجموعة أخرى من المحسوبين على السلفية الجهادية وإمام الجامع، واصفين هذا الموقف بـ«البدعة وأنه يستند إلى أحاديث ضعيفة».

يذكر أن هذا الجامع شهد في فترات سابقة مشاحنات مماثلة بين هاتين المجموعتين على خلفية أنشطة فكرية وخلاف حول إمامة المصلين.