تمور تونس بنقاش عاصف عنوانه: استقلالية القضاء، وهو الملف الذي بات يمثّل صداعا لحركة النهضة الإسلامية الحاكمة وشريكيها في الحكم حزب التكتل الديمقراطي للعمل والحريات وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية، ترجمته جلسات المجلس الوطني التأسيسي التي شهدت خلافات حادة أثناء مناقشة القانون الأساسي للهيئة المؤقتة للقضاء وسط اتهامات لحركة النهضة بمحاولة استمرار هيمنتها على السلك القضائي لخدمة أهدافها.
ويرى مراقبون أن حركة النهضة وشريكيها في الحكم يسعون إلى الهيمنة الكلية على القضاء لخدمة أهدافهم للسيطرة على مفاصل الدولة والمجتمع وضمان الإمساك بدواليب المرحلة المقبلة التي من المنتظر أن تشهد محطات سياسية واجتماعية مصيرية ومن بينها الانتخابات البرلمانية والبلدية والاستفتاء حول الدستور.
بدوره، أوضح أعضاء المكتب التنفيذي لجمعية القضاة التونسيين، في أعقاب اجتماع ممثلين عنهم بالنائبين الأول والثاني لرئيس المجلس التأسيسي لبحث سبل الخروج من المأزق الذي انتهت إليه مناقشة القانون الأساسي للهيئة المؤقتة للإشراف على القضاء، أن الجمعية تدافع على بناء سلطة قضائية مستقلة «تقطع مع اعتبارها مجرد جهاز إداري تابع للسلطة التنفيذية».
وأشار المكتب، في بيان، إلى أن البداية السليمة لتكريس هذا الخيار يجب أن تتبلور من خلال الهيئة المؤقتة التي ستحل محل المجلس الأعلى للقضاء موضحا أن المسائل التقنية المرتبطة بالاستقلال المالي والإداري لهذه الهيئة «من السهل حلها إذا ما توفرت الإرادة السياسة لذلك مثلما كان الأمر بالنسبة للهيئات المستقلة الأخرى التي أحدثت بعد الثورة».
وبيّن أن تصور الجمعية لاستقلالية هذه الهيئة «هو مطابق للمعايير الدولية» التي تشترط أن يكون لمثل هذه الهيئات مقر مستقل إلى جانب تمتيعها بالاستقلالية المالية والإدارية وبصلاحيات تقريرية وألا يقتصر نظرها على قرارات نقل القضاة وترقياتهم وذلك للحد من صلاحية اتخاذ مذكرات العمل المتاحة لوزير العدل في نقل القضاة وترقياتهم، وذلك طبق ما أكدته المحكمة الإدارية في رأيها الاستشاري.
وبخصوص اقتراح النائبة الأولى لرئيس المجلس التأسيسي إمكانية التوفيق بين مشروع جمعية القضاة ومشروع نقابة القضاة بخصوص الهيئة، أوضح المكتب، أن الإشكال المطروح اليوم «لا يكمن في الاختلاف بين مشروعي الجمعية والنقابة.
بل يكمن في خلاف داخل المجلس بين تصورين للهيئة، واحد يدعو إلى تمتعه باستقلالية كاملة باعتبارها مجلسا انتقاليا للقضاء، وآخر بتمتعها بضمانات غير واضحة وتكاد تكون معدومة لتجعل منها مجرد مجموعة لجان إدارية تابعة لوزارة العدل».
كما أشار أعضاء المكتب إلى أنه «من غير الوجيه الدفاع على هيئة وقتية بدون ضمانات تمتعها بالاستقلالية وكأن المرحلة الحالية لا تستحق أن يكون القضاء فيها مستقلاً تشرف عليه هياكل مستقلة».
تشاور مؤجل
من جانبها، أكدت نقابة القضاة التونسيين أنه لم يتم التشاور مع القضاة بشأن مشروع القانون الأساسي المتعلق بإحداث هيئة وقتية تشرف على القضاء خلافا لما نص عليه الفصل 22 من القانون التأسيسي عدد 6 لسنة 2011 المؤرخ في 16 ديسمبر 2011 المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلطة العمومية والذي ينص على أن إصدار القانون المتعلق بإحداث تلك الهيئة يتم بعد التشاور مع القضاة.
وأبرزت النقابة، في بيان إثر جلسة العمل التي عقدتها هيئتها الإدارية الجمعة للنظر في الإشكالات المتعلقة بمشروع القانون الأساسي لإحداث هيئة وقتية تشرف على القضاء «حتمية التشاور مع القضاة تفعيلاً للقانون التأسيسي ومساهمة في تجاوز الأزمة الحالية».
وشددت النقابة في بيانها «تمسكها بمبادئ استقلال السلطة القضائية طبقا للمعايير الدولية وعدم استعدادها لقبول أي تجزئة أو تنازل عن هذه المبادئ»، مؤكدة أن «وصف الهيئة التي ستحل محل المجلس الأعلى للقضاء بالوقتية لا يمكن أن يكون موجبا للتنازل على أي مبدأ من تلك المبادئ».
وأكدت النقابة «الحرص على اعتماد مبادئ استقلالية الهيئة في تسميتها وفي تنظيمها وفي تركيبتها وفي هيكلها وفي صلاحياتها».
يشار إلى أن أعضاء المجلس الوطني التأسيسي لم يصادقوا في جلسة الخميس الماضي على الفصل الأول من مشروع القانون الأساسي المتعلق بالهيئة الوقتية للقضاء مما أسقط كامل المشروع المعروض للتصويت وإقرار إعادته إلى لجنة التشريع العام النظر فيه من جديد.
حيث لم تخل الجلسة من سجالات ومجادلات بين الكتل النيابية، بسبب عدم المصادقة على الفصل الأول ومن هناك مجمل المشروع، واتهام أطراف لأخرى بكونها تقف وراء هذا الفشل وعدم حصول الفصل الأول على الأغلبية المطلقة (109 أصوات) مما أدى إلى رفض كامل المشروع.
وبينما لفت أعضاء إلى ما يمثله رفض هذا المشروع من إهدار للوقت وضياع لفرصة إجراء حركة نقل القضاة والنظر في ملفات ترقيتهم وتسمية الجدد منهم في كنف الشفافية والوضوح، ملمحين إلى أن هذا الرفض قدم «هدية ثمينة للسلطة التنفيذية لمواصلة وضع يديها على السلطة القضائية»، أرجع آخرون رفض المشروع إلى عدم إشراك القضاة في إعداده وفي تعنت بعض الأطراف في الاعتراف باستقلال الهيئة.
حيث اعتبر محمد الطاهر ايلاهي عن كتلة الحرية والكرامة، والفاضل موسى ومحمد الحامدي عن الكتلة الديمقراطية أنه «لا حرج أو خوف من التنصيص صراحة ضمن المشروع الذي تم رفضه على استقلالية الهيئة»، ملقين اللوم على نواب حركة النهضة «لرفضهم غير المبرر لهذا التنصيص».
رفض الاتهام
بالمقابل، رفض نواب حركة النهضة هذا الاتهام مؤكدين أنهم لا يقفون حجر عثرة أمام مبدأ التنصيص على استقلالية الهيئة المؤقتة، نافين كل تأويل يلصق بهم مسؤولية إفشال تمرير المشروع، وقال النائب رئيس الكتلة النهضوية النائب الصحبي عتيق في هذا السياق إن «الحركة تبحث عن تحقيق التوافق داخل المجلس لتمرير مشاريع القوانين الأساسية خدمة للصالح العام وللوطن وعلى الجميع الوعي بذلك، لأنه يصعب على أي طرف لوحده الحصول على الأغلبية اللازمة للمصادقة على المشاريع».
دعوة حقوقية
دعت منظمة هيومن رايتس ووتش المجلس الوطني التأسيسي إلى الإسراع في معالجة العيوب الموجودة في مشروع قانون من شأنه السماح باستمرار التعدي على استقلال القضاء.
وأصدرت المنظمة بياناً ذكرت فيه أن مشروع القانون سيُنشئ هيئة قضائية مؤقتة تُشرف على تعيين وترقية وفصل القضاة، مضيفة أنه يمنح للسلطة التنفيذية دوراً أقل ولكن لا يزال كبيراً في تركيبة الهيئة، ولا يُقدم مبادئ توجيهية محددة خاصة بالخطوات المُتبعة لفصل القضاة.
وإذ لفتت إلى ان مشروع القانون يُبقي على إمكانية فصل ونقل القضاة بشكل تعسفي، قال نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة إريك غولدستين إن «مشروع القانون المتعلق بإحداث هيئة قضائية وقتية يفتقر إلى حماية القضاة من الفصل من العمل والنقل بشكل تعسفي».
ورأى أنه «يتعين على المجلس الوطني التأسيسي معالجة هذه الثغرات قبل تمرير قانون يوصف بالمؤقت ولكن قد تكون له تداعيات طويلة الأمد».