يعتبر مصطلح الأزمة المالية ملاصقا للسلطة الفلسطينية منذ تأسيسها، بسبب تأخر المانحين عن دفع التزاماتهم وسياسات الاحتلال التعسفية التي تخنق الاقتصاد الفلسطيني وتحاصره بكافة أشكال الحصار. ومع ذلك، يرى المراقبون أن القادم أسوأ في ظل أزمة عالمية وتغير أولويات الدول العربية بعد ثورات الربيع العربي.

فعندما تولى سلام فياض رئاسة حكومته الأولى عقب الانقسام في يونيو 2007، لم يجد خزانة السلطة خاوية فحسب، وإنما أيضا مثقلة بدين كبير بلغت قيمته حوالي ثلاثة مليارات دولار، هي مليار مستحقات متأخرة للموظفين والقطاع الخاص تراكمت أثناء حكومة سلفه إسماعيل هنية التي تعرضت لحصار مالي دولي منذ يومها الأول، وحوالي 900 مليون دولار ديون للبنوك المحلية، فضلا عن مليار ونصف ديون للصناديق العربية منذ عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات. والأخيرة هي دين دون فائدة وربما يتحول الى منحة.

نمو اقتصادي

وتدفقت أموال المانحين على الحكومة في الاعوام الثلاثة الأولى على نحو قاد معه الإنفاق الحكومي الى نمو اقتصادي كبير وصل حتى 11 في المئة. وشجع هذا النمو فياض، الذي تولى أيضا وزارة المال، على انتهاج سياسة مالية هدفت الى الاعتماد على الذات والتوقف عن الاعتماد على أموال المانحين. ودفع هذا الوضع فياض، الذي بدأ بعقد مؤتمرات سنوية في مدينة بيت لحم لجذب المستثمرين خاصة العرب للاستثمار في الاراضي الفلسطينية، الى الإعلان عن سقف زمني للتوقف عن الاعتماد على المانحين وهو نهاية العام المقبل.

لكن الدعم الدولي سرعان ما تراجع وتوقف من قبل البعض، ما أعاد الأزمة الى المربع الاول من جديد. واصطدم هدف الاستغناء عن المانحين بعقبة أخرى كبيرة هي تراجع النمو الاقتصادي الناجم عن تراجع الانفاق الحكومي، الناجم بدوره عن الأزمة المالية العالمية وتغير أولويات الدول العربية في مرحلة «الربيع العربي» وعدم حدوث تقدم سياسي يجذب المستثمرين سواء من الداخل أو الخارج.

تقليص الاحتياجات

ونجحت سياسة فياض في تقليص الاعتماد على المانحين في الاعوام الأربعة الأولى الى أن وصلت الى النصف. إذ تقلصت من 1.8 مليار دولار العام 2008 الى 970 مليون دولار العام الماضي.

وبحسب أرقام وزارة المالية، فإن السلطة قلصت احتياجات الخزينة الى الدعم الخارجي في الاعوام الأربعة الماضية، لكن سرعان ما ظهر عنصر آخر ساهم في تفاقم الأزمة، الى جانب العوامل السابقة، وهو أن عددا من الدول العربية لم يف بالتزاماته تجاه السلطة، ما دفعها إلى الاقتراض من البنوك لتعويض النقص الناجم عن هذا التراجع.

وواصل عدد من هذه الدول في سياسة عدم الوفاء بالتزامات تجاه السلطة قطعتها على نفسها في مؤتمرات المانحين الدولية، ما فاقم الأزمة بصورة أشد وأوصلها الى مرحلة عدم القدرة على دفع رواتب موظفيها بصورة منتظمة في بعض الشهور في العام الرابع من عمر الحكومة.

وبلغ العجز الناجم عن عدم وفاء بعض الدول بالتزاماتها في العام 2010 مئة مليون دولار، تبعة عجز شبيه في العامين 2011 و2012 .وبلغت موازنة السلطة للعام الحالي حوالي اربعة مليارات دولار منها أكثر من مليار دولار مساعدات خارجية.

منحة عاجلة

ويقول وزير المال الفلسطيني نبيل قسيس إن السلطة تلقت من هذه المساعدات 466 مليون دولار قبل المنحة السعودية الأخيرة والعاجلة التي بلغت مئة مليون دولار.

ويشير المسؤولون في الوزارة إن الدول المتأخرة عن دفع مساعداتها هي العربية بالدرجة الأولى.

وكان من المقرر أن تقدم الولايات المتحدة مساعدتها السنوية لميزانية السلطة البالغة 200 مليون دولار في يونيو الماضي، لكنها تأخرت لأسباب غير معلنة.

ولجأت السلطة في الاعوام الثلاثة الماضية إلى الاقتراض من المصارف المحلية لاستكمال دفع رواتب موظفيها. وقال قسيس في لقاء مع الصحافيين في مكتبه قبل أيام ان وزارته لم تتمكن الشهر الأخير من الاستدانة من المصارف لاستكمال الرواتب بعد أن تخطت الحد المسموح به للاقتراض وقدره 1.2 مليار دولار، ما جعلها تدفع 60 في المئة من الراتب ثم تتبعه بالباقي بعد وصول المنحة السعودية.

وتراكمت على السلطة في الاعوام الماضية ديون أخرى محلية بلغت حوالي مليار دولار للموردين خاصة موردي الأدوية، ولصندوق التقاعد وغيرها. ومن المتوقع أن تتضاءل قدرة السلطة على دفع الرواتب والاستحقاقات الأخرى في الشهور المقبلة في حال عدم تلقي مساعدات مالية خارجية كبيرة.

أزمة مركبة

 

ترافقت الازمة المالية للسلطة مع أزمة اقتصادية في الاراضي الفلسطينية تتمثل في تراجع مستويات النمو وتزايد البطالة التي وصلت الى 26 في المئة من القوى العاملة.

ويرى المراقبون أن السلطة ستظل تعتمد على المساعدات الخارجية بدرجة كبيرة طالما بقي الاحتلال الاسرائيلي متحكما في الموارد والمعابر الفلسطينية. وفشلت محاولات السلطة لجذب الاستثمارات الخارجية بسبب سيطرة إسرائيل على 60 في المئة من الضفة الغربية المحتلة. وهي المساحة المرشحة لإقامة الاستثمارات، خاصة المناطق الصناعية عليها، وتحكمها في الصادرات والواردات من خلال سيطرتها على المعابر.