رغم أن سوريا تنزلق باطراد باتجاه حرب أهلية وتعصف بها أعمال العنف والتفجيرات والاغتيالات، فإن الرئيس بشار الأسد لا يلوح أمام الانظار. فمنذ خطابه أمام مجلس الشعب مطلع شهر يونيو، وهو آخر ظهور علني له في مناسبة كبيرة، نقل المعارضون قتالهم للاطاحة به الى المدينتين الرئيسيتين في سوريا وسيطروا على مساحات من الريف وقتلوا أربعة من كبار مسؤوليه الأمنيين.
وفي ظل مواجهة مثل هذه الانتكاسات الكبيرة، كان كثير من الزعماء، واول من يرد على الذهن منهم الزعيم الليبي المقتول معمر القذافي، سيبادرون بالظهور علانية لطمأنة مؤيدي النظام على أنهم ما زالوا موجودين وما زالوا يمسكون بزمام الأمور وعلى استعداد لقيادة الرد.
وباستثناء لقطتي فيديو صامتتين عرضهما التلفزيون ورسالة مكتوبة لقواته المسلحة نشرت الاربعاء الماضي، ظل الأسد بعيدا عن الأعين منذ أسبوعين بعدما تزايد التهديد لحكمه وسلطته وأصبح متواصلاً بدرجة اكبر.
وأثار صمته بعد تفجير 18 يوليو، الذي قتل أربعة من المقربين منه بينهم صهره، الشائعات بشأن مكان وجوده ومدى قبضته على السلطة وهي التكهنات التي يسعد خصومه بإذكائها.
وفترات الصمت الطويلة من الاسد البالغ من العمر 46 عاما ليست بالأمر الجديد. فقد استغرق اسبوعين للرد حين اندلعت الانتفاضة ضد حكمه في مارس العام الماضي. وظهر لمرات معدودة في مناسبات كبيرة منذ ذلك الحين.
لكن أحدث غياب له عن الانظار أمر غريب في وقت أزمة حادة. وقال دبلوماسي في دمشق: «ربما يتطلب المنطق بسبب عدم اليقين في الوقت الراهن أن يكون أكثر حرصاً على طمأنة جمهوره المحب ولكن ليس هذا هو المنطق السائد هنا».
تركيز وكلام
لكن الدبلوماسي ومحللين أفادوا أن اختفاء الاسد لا يعني انه فقد السيطرة. وذكر العضو في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية جوليان بارنز داسي انه «ما يزال بكل الحسابات شخصية محورية جداً»، مضيفاً: «عرفنا منذ بعض الوقت أن مجموعة من المسؤولين وكثير منهم من عائلته يوجهون ما يجري لكنه هو المتحكم والموجه لهذه الحملة».
وقال بارنز داسي: «التركيز الوحيد لاهتمام الأسد في هذه اللحظة هو كيفية سحق هذه الانتفاضة بالوسائل العسكرية».
واشار الى انه ربما التزم الصمت لأنه «ببساطة لا يملك ما يقوله للسوريين حالياً»، مضيفا: «الكل يعلم على الأرض أنك إما مع النظام واما ضده وسيتضح النضال في ساحة المعركة وليس من خلال التصريحات».
وتابع: «وإلى أن يشعر النظام بأن له اليد العليا، لا أعتقد أننا سنراه مرة أخرى». وأردف: «أسلوبه وشخصيته من النمط الذي يتعامل سواء مع شعبه أو المجتمع الدولي من موقع قوة فقط».
ولم يشارك الاسد في جنازة صهره، وقد يجبر على اتباع اسلوب العزلة الذي يتبعه حليفه اللبناني حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله. ونادرا ما يظهر نصر الله في العلن بعدما لجأ للاختفاء لتجنب الاغتيال.
صدمة نفسية
واوضح مدير مركز الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد فواز جرجس، أن تفجير 18 يوليو «كان صدمة نفسية كبيرة. سيستغرق الأسد وقتا لاستعادة توازنه».
لكنه اضاف ان السرعة التي اعاد بها تشكيل فريقه من مساعديه المقربين أظهرت أن «الاجهزة الامنية بعيدة عن كونها قوة مستهلكة وانها لا تزال تعمل». وقال جرجس: «ليس لدي أي شك في ذهني انه أثبت أنه أكثر مرونة وعناداً والتزاماً واستعداداً لكسب معركة حياته.
أعتقد أنه حتى الأميركيون والزعماء الاوروبيون الغربيون باتوا ينظرون له بطريقة اخرى». واضاف: «كل التحليلات قالت انه من النوع اللين ويفتقر الى العزيمة. لقد اثبت ان الجميع كانوا على خطأ طوال الأشهر السبعة عشر الماضية».
السفينة
قال دبلوماسي غربي في بيروت: ان مسؤولاً زار الرئيس السوري بشار الأسد مؤخرا ذكر ان الاسد قارن نفسه بـ«قبطان السفينة» وتعهد بالبقاء في موقع القيادة. ومن شأن هذا التحدي التأكيد على أن الاسد سيواصل القتال لفترة طويلة على الأرجح بعدما ظن خصومه أن النصر بات في متناول أيديهم.