ظفرت ثورة الياسمين في تونس بــ«قصب السبق» في تغيير خريطة المنطقة السياسية. فهل تدخل في مفاهيم علوم السياسة مصطلحاً جديداً عبر «الثورة على الثورة»؟. هذا ما يطرحه الواقع، بحسب ما يرى مراقبون، مستندين إلى توافر بواعث الثورة على نظام زين العابدين بن علي من مطالب اجتماعية ما تزال تراوح المكان وسياسة تفتقر الوفاق واقتصاد متداع يتمظهر في الغلاء والبطالة، فضلاً عن غياب الحلول التنموية وما أسموه «حالة الانقسام المجتمعي وأم الكبائر المتمثلة في عودة الأساليب الديكتاتورية في التعامل مع الرأي المخالف».

ثورة جديدة

ويؤكد الناطق الرسمي باسم حركة «نداء تونس» رضا بالحاج أنّ «ما تشهده البلاد ينبئ بثورة جديدة حال استمرار الحكومة في ذات نهجها في التعامل مع المطالب الاجتماعية والسياسية دون وفاق وطني»، لافتاً إلى أنّ «تراكم حالة يمكن أن تؤدي إلى عاصفة جديدة تقتلع الواقع السياسي من جذوره»، ومؤكداً في الوقت ذاته أن «الأوضاع الاقتصادية المتداعية بفعل غلاء المعيشة والأسعار وارتفاع عدد العاطلين عن العمل يمكنها مجتمعة أن تقود تغييراً آخر».

التفاف وعداء

من جهته، يعتبر زعيم حركة «الديمقراطيين الوطنيين» شكري بالعيد أن الحكومة الائتلافية الحالية تمثّل «حكومة إلتفاف على الثورة» و«معادية للشعب والثورة»، زاعما أنّ 81 وزيرا ووزير دولة «لا هم لهم سوى طمأنة الأميركيين على مصالحهم في تونس والمنطقة، ووضع أولى لبنات مشروع التطبيع مع إسرائيل، مقابل الإصرار على تجاهل آلام الشعب التونسي ومشاكله ومطالبه».

على الصعيد ذاته، يتهم عضو الهيئة التأسيسية لحزب «العمل الوطني الديمقراطي» محمد الأمين العليبي أن «التحالف الثلاثي الحاكم» بـ«معاداة تحالف للشعب التونسي وتكريس الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للنظام السابق والتبعية والارتهان للدوائر المالية والقوى الإقليمية و الدولية».

تراجع شعبية

على الجانب الآخر، لا ينكر أنصار حركة النهضة الإسلامية الحاكمة تقلص أعدادهم وتراجع شعبية حركتهم في الشارع التونسي بعد زهاء 10 أشهر من فوزها في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي.

ويرجع المراقبون المأزق الذي تعيشه الحركة إلى ما أسموه «فشلها في التواصل الثقافي والإعلامي مع الأغلبية الساحقة من التونسيين بسبب اعتمادها خطابا غريبا عن خصوصيات الواقع المحلي»، مشيرين إلى أنّ الحركة «أقرب إلى الجسم الغريب عن المجتمع التونسي وغير القادر على الانسجام معه»، ولافتين إلى أنّ «فشل الحركة في امتلاك زمام الإعلام والثقافة، جعلها عاجزة عن إقناع الشارع التونسي بمواقفها و رؤاها و توجهاتها».

تعويض مستهجن

ولعل ما زاد الطين بلة ومثّل في الوقت ذاته نقطة تحوّل في النظر إلى التجربة، ما طالب به الإسلاميون من تعويضات اعوام السجن والهجرة و البطالة والملاحقة الأمنية طيلة عقود، ما أدى إلى زيادة إرباك موقف الحركة الحاكمة وحلفائها في الشارع، لاسيما مع الأوضاع الاقتصادية المتفاقمة في تونس والمتمثلة في ارتفاع البطالة والتضخم والمديونية و غلاء المعيشة وتراجع مستوى الخدمات العامة.

ويقول القيادي اليساري صالح الزغيدي :«قبل أعوام، كنا نقول أن الإسلاميين يناضلون لوجه الله وأننا نناضل من أجل الشعب واليوم تبيّن لنا أننا نحن من كان يناضل ويواجه الديكتاتورية والاستبداد لوجه الله وأن الاسلاميين كانوا يناضلون من آجل الكراسي والتعويضات المالية المجزية»، على حد وصفه.

وينتقد عالم الدين فتحي بوسعادة مبدأ تعويضات سجناء حركة النهضة إبّان العهد السابق، مشدداً على أنّ «مناصري الحركة اختاروا النضال من تلقاء أنفسهم ولم يوكلهم الشعب التونسي»، ومشيراً إلى أن «رجال تونس الذين حققوا الاستقلال هم الأحق بالتعويض».

أزمة النقابات

كما تعيش حركة النهضة والحكومة الائتلافية مواجهة مفتوحة مع النقابات، لاسيما الاتحاد العام التونسي للشغل على إثر اعتقال ومحاكمة عدد من نقابيي الصحة العمومية بمدينة صفاقس، ما دفع إلى دخول ثاني أكبر المدن التونسية والعاصمة الاقتصادية في إضرابات قطاعية تتجه إلى أن تصبح إضرابا عاما يشل الحركة الاقتصادية والاجتماعية في الولاية.

ونددت النقابة العامة للثقافة والإعلام التابعة للاتحاد العام التونسي للشغل باعتقال النقابيين و«محاولة ضرب الحق النقابي»، مطالبة بـ«إطلاق سراح النقابيين فورا وتحييد مؤسسة القضاء وعدم الزج بها في الصراعات وتوظيفها لأغراض فئوية».

اتهامات

 

يتهم النقابيون التونسيون حركة النهضة الإسلامية الحاكمة بمحاولة «لي ذراع» الاتحاد العام التونسي للشغل، واصفين في الوقت ذاته خصم أجور موظفين عن أيام الاضراب الشرعي بــ «الاستفزاز».

كما أشار النقابيون إلى أنّ بعض منسوبيهم «تعرضوا للقمع من قبل إسلاميين، ما وسّع من هوة الخلاف الاجتماعي في تونس».