ما يزال الجدل سيد ساحة قضية التعويضات التي أقرّتها الحكومة التونسية لمن سمتهم «ضحايا القمع» في تونس منذ الاستقلال. إذ ولّد حالة من الاحتقان في الشارع التونسي في أعقاب التأكيد على قيمة التعويضات والتي تصل إلى مليار و200 مليون دينار، أي ما يقارب 800 مليون دولار، في وقت تمر تونس بأصعب فتراتها الاقتصادية على الإطلاق.

ملفات أولى

واعتبر حزب العمال، بزعامة حمّة الهمامي، في بيان أن «ملف التعويضات المالية لضحايا النظام السابق من السجناء السياسيين لا يكتسب اليوم أولوية مقارنة بملف شهداء وجرحى الثورة ومشاكل البطالة والفقر وعجز الطاقة الشرائية للمواطنين»، مؤكداً في الوقت ذاته تمسكه «بمبدأ التعويض لضحايا القمع مادياً ومعنوياً ورد اعتبارهم اعترافاً بدورهم في مقاومة الاستبداد»، على حد تعبير البيان.

وأضاف الهمامي أنّ «استعجال حكومة الترويكا طرح هذا الملف يندرج ضمن أولويات حركة النهضة، ويعكس انشغالاتها الداخلية في التعاطي مع ضغوط قواعدها وموازناتها وحساباتها الحزبية الخاصة»، واصفاً الإصرار على التسريع بمعالجته وحصره في التعويض المالي بالالتفاف على مطلب العدالة الانتقالية الذي اعتبره «إطاره الحقيقي والصحيح».

وأكد على ضرورة أن «يشمل التعويض جميع ضحايا القمع من سياسيين ونقابيين وطلاب ونشطاء حقوق الإنسان من كل العائلات الفكرية والتجارب والمجالات النضالية، داعياً إلى «وضع معايير موضوعية للتعويض المالي حتى لا يكون إهداراً للمال العام».

دعم مطلق

من جهتها، أعربت حركة «وفاء» بزعامة عبد الرؤوف العيادي عن «المساندة غير المشروطة» لحقوق ضحايا الاستبداد من عائلات الشهداء والمعتقلين السابقين من كل الأطياف السياسية والحقوقية والنقابية والإعلامية في التمتع لمن رغب منهم بالتعويض المادي.

ودعت الحركة في بيان لها إلى تجنب التجاذبات السياسية حول هذا الموضوع، لافتة إلى أنّ «حق التعويض لضحايا الاستبداد يعتبر من صميم مبادئ العدالة الانتقالية، ولا يجب أن يكون بأي حال موضوع تجاذب أو خلاف لخدمة أجندة أية جهة سياسية».

وأشارت إلى رفضها عبارة «العفو التشريعي»، بسبب ما تنطوي عليه من مدلول لا ينصف الضحايا» على حد قولها، متقدمة باقتراح استبدال التسمية بــ «إنصاف ضحايا الاستبداد» وسن قانون للعدالة الانتقالية.

تزوير حقائق

بدوره، استنكر وزير حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية والناطق الرسمي باسم الحكومة سمير ديلو، ما سماه «التهجمات والبذاءات» التي كيلت للحكومة من جراء قيام البعض بـ«تزوير الحقائق وتداول معطيات مغلوطة وأرقام ملفقة» حول موضوع التعويض لفائدة المنتفعين بالعفو العام، واصفاً الأمر بـ«غير المقبول».

وشدّد ديلو على أنّه «ليس هناك أية مراجعة أو أي تراجع عن التزام الدولة في خصوص التعويض لجميع من اضطهدوا، مهما كانت خلفياتهم أو انتماءاتهم السياسية وجبر أضرارهم وإعادة بناء مسارهم الوظيفي مهما كانت ضراوة الحملة الإعلامية المضادة»، مؤكداً أنّ «عمليات التعويض ستتم دون المساس بالتوازنات المالية للدولة أو بما يمكن أن يؤدي لتعطيل التزاماتها في مجال التشغيل أو دفع عملية التنمية».

وأوضح أن الحكومة «لم تعرض مبالغ مالية بمئات آلاف الدنانير أو مناصب وزارية على أحد كتعويض، بل تحدثت عن تسوية وضعيات وظيفية واجتماعية»، مشدداً على أنّه «لا يحق لأحد أن يزايد على مشاريع القوانين ما دامت تراعي المصلحة العليا للوطن».

وأشار ديلو إلى أنّ «مراعاة المصلحة الوطنية تقتضي حفظ حقوق المجموعة الوطنية والأفراد والاقتصاد الوطني، وحماية التوازنات المالية وميزانية الدولة، مردفاً القول: «من يدعي أن التزام الدولة إزاء من تعرضوا للاضطهاد في العهود السابقة سيكون على حساب التزامات أخرى هو من باب المغالطة وغير صحيح».