حول الجيش السوري النظامي بلدة الأتارب الواقعة غرب حلب إلى بلدة أشباح، يفر منها كل قاطن بحثاً عن الأمن، بعد أن قصف منازلها بالمدافع دون أن يكترث بمن فيها، وهو ما دفع أهلها للهروب، تاركين كل ممتلكاتهم، على أمل أن يعودوها يوماً بعد تحقيق النصر، بسقوط نظام الرئيس بشار الأسد.
وفيما يروي مصطفى الحاج إبراهيم هروبه وأسرته المؤلفة من خمسة أشخاص بعد أن قام عناصر الجيش النظامي بحرق منزله عند اقتحامهم البلدة، كونه من الناشطين الذين يقومون بالتظاهر ضد النظام، يحكي المدرس محمد العيسى تفاصيل إحراق قوات الأسد بيته، وهو الأمر ذاته الذي جرى مع عبدالله الحمود، ومحمد خالد الصال.
ويقول مصطفى الحاج إبراهيم: «عملت ليل نهار وشيدت المنزل على مدار عشرة اعوام، فلما اكتمل هدموه». ويضيف: «عندما قصفت قوات الجيش بلدة الأتارب، هدمت الكثير من البيوت وأحرقت منازل أخرى، وفي العادة يكون لدى المقتحمين من الشبيحة والأمن والجيش قائمة بأسماء مطلوبين، وهؤلاء لن يسلمون إن وجدوهم، حيث يجري إحراقها بمواد غريبة».
ويصف الحاج إبراهيم اليوم الذي هاجر فيه سكان البلدة منازلهم بـ«المخيف»، مشيراً إلى أنها كانت هجرة جماعية للجميع، فارين بأطفالهم من الحرق والغازات الناتجة عنه باحثين عن أماكن آمنة يقيمون فيها وذويهم.
ويتذكر الحاج ابراهيم صباح ذلك اليوم بالقول: «كان صباحاً مفجعاً بعدما أرسلنا النساء والأطفال إلى القرى المجاورة لنا، حيث استقبلوا من قبل أهلها بحفاوة وترحيب، لكن المشكلة عدم استيعاب منازلهم لمدينة كاملة هجرت، فسكنا بالمدارس».
مادة غريبة
ولا تبتعد تجربة محمد العيسى في إحدى مدارس البلدة عن تجربة ابن بلدته، فيقول: «الأمر أكبر من حرق بيوت أو تهجير سكان، فنحن جميعا، كشعب سوري مكافح عانى ما عاناه خلال العقود الماضية، نعمل بجد ونشاط كبيرين وسنعيد بإذن الله بناء ما دمر ونصلح ما أحرق، لكن هناك ما هو أخطر من كل ذلك هو المواد التي استخدمت لحرق المنازل».
وأوضح أن الكثير من المدن والبلدات السورية بحاجة إلى خبراء لتقييم المادة، مشيرا إلى أحاديث يتم تناقلها بين الأهالي أن هذه المادة استقدمها النظام من إيران ووزعها على كتائب جيشه.
ونقل عن مختصين بالكيمياء أنها «قد تكون من المخلفات النووية ولهذا تقوم بإشعال كل شيء بشكل سريع».
واعرب العيسى عن خشيته من تأثيرات هذه المواد مستقبلاً، متسائلا: «ما ذنب أطفالنا حتى يتعرضون للمواد المشعة او حتى الكيماوية؟». ويضيف: «نخشى أن تبقى آثار هذه المواد موجودة داخل بيوت بل وشوارع المدينة بعد إصلاحها وتأهيلها».
وما تحدث به السوريون عن طبيعة النيران والإحراق يدعو إلى الوقوف عنده والسؤال حول طبيعة المواد المستخدمة.
فالبيوت تعرضت لدرجات حرارة عالية جدا. وحتى أبواب المنازل المصنوعة من مادة الألمنيوم، انصهرت وأصبحت كتلاً معدنياً متجمعة على الأرض، وكذلك الأثاث المصنوع من المعادن. أما الأسمنت، فلم يسلم من الحرق والتفتت.
النجاة أولاً
يقول المدرس محمد العيسى إن بلدة الأتارب الواقعة غرب حلب بحاجة إلى خبراء كيميائيين وبيئيين لفحص المادة التي تم استخدامها من الجيش النظامي. ويرفض العيسى عودة السكان إلى منازلهم إلا بعد حضور فريق تقني متخصص في مجال البيئة ليؤكد صلاحية المكان للعيش من عدمه. لكن حتى يستتب الأمن وتعود الأمور إلى طبيعتها، يحمل السكان الكثير من الأسئلة عما جرى لمنازلهم وأحيائهم.