باتت المتابعات الأميركية للأزمة السورية، تتلخّص بعنوانين: انهيار نظام الرئيس السوري بشار الأسد ومرحلة ما بعده. الأول يجري التعامل معه، خاصة من جانب الإدارة، من زاوية أنه صار بحكم النهاية المحتومة. الثاني، على العكس، يجري تناوله من باب التكهنات وطرح السيناريوهات والاحتمالات المختلفة والمتقلبة مع تقلّب الأوضاع الميدانية وتطور المواقف الإقليمية والدولية، تجاه الصراع الدائر. والمتداول منها مؤخراً، مخيف. ليس فقط على صعيد سوريا بل أيضاً الجوار.

وفي حين ارتفعت وتيرة الحديث عن اليوم التالي للأزمة، خاصة بعد وصول القتال إلى العاصمة ثم اندلاع معركة حلب؛ إلاّ أن التقديرات بخصوص حلول هذا اليوم مشوّشة. الإدارة متحفظة، إذ تكتفي بالإيحاء أنه قريب. وبموازاة مثل هذه التوقعات، تتسلّط الأضواء على ما يسمى بالقفزة الميدانية التي حققتها المعارضة، لجهة تزايد تسليحها وإمكاناتها نسبة لما كانت عليه قبل هذه المعارك؛ كما لجهة تطور مستوى التنسيق بين قواها المقاتلة.

يصبّ في تعزيز هذه التوقعات ما يردّده محللون ومصادر دولية، مثل الجنرال النرويجي قائد فريق المراقبين في تصريحه الأخير من أوسلو، من أن هجمة النظام الكاسرة في الأيام الأخيرة تشي بانه دخل في طور التآكل الخطير الذي سرّعته الانشقاقات المتوالية، فضلاً عن انتفاض العاصمة وحلب، اللتين كان النظام يعتدّ بتأييدهما له. بالإضافة إلى ان الانقضاض على حلب بهذه الشراسة، يبطّن حالة يأس يجري التعامل معها عن طريق نشر الرعب وبما يحمل الشارع على استعداء القوى المقاتلة باعتبارها تسببت في خراب المدينة.

تحذير

لكن ثمة من يحذر من مثل هذه القراءة المتفائلة. أو المقلوبة. خاصة المستندة إلى توقعات منسوبة إلى قيادات في الجيش السوري الحر من تركيا والتي تتحدث عن «انهيار النظام في غضون شهر»، فالنظام «لا يزال يملك قوة نارية ضاربة والنواة الصلبة للجيش لا تزال متماسكة»، حسب تقديرات محللين عسكريين. ومن هذا المنظار فإن ما يجري في حلب نموذج مرشح ليكون عنوان هذا الطور من الأزمة، بحيث يتنقّل من مكان إلى آخر ويزيد بالتالي من مازق النظام وتعميق ولوجه في هذا المسار الآيل بالنهاية إلى «اليوم التالي».

وإذا كان العبور إلى هذه الضفة إجباري ومفتوح على التدمير والزمن، فإن مخاطر وتحديات ما بعده لا تقل خطورة. يشار في هذا الخصوص إلى ثلاث تداعيات من العيار الكبير: احتمال «العرقنة» بما هي تفاقم لفتنة اهلية مديدة، خطر التفكك كواقع على الأرض وفيضان الأزمة إلى محيطها. والأخطر أنها قد تؤدي إلى الثلاثة معاً.

وفيما يرتفع منسوب ضغوط الأحداث مقابل غياب الإجماع الدولي على صيغة لإنقاذ سوريا، يتردّد الحديث عن خيارين: وضع خطط للتواصل مع الأقليات كما لإعادة بناء سوريا الدولة كإدارة وجيش.

 ويقال إن ذلك تمّ انجازه بمساعدة «المؤسسة الأميركية للسلام»، التابعة لوزارة الخارجية. هذا فيما يتعلق بمرحلة ما بعد الأسد، مع استمرار تصعيد الدعم للمرحلة الراهنة، بما فيها خيار الشريط العازل ورفع التسليح الذي تنأى واشنطن عن دور مباشر فيه كما تقول، وربما شمل صواريخ مضادة للطائرات. الخط الثاني، يشدّد عليه دعاة البحث عن مخرج سياسي ويتمثل بالعودة إلى التواصل مع موسكو، علّ ما بعد حلب يحملها على التزحزح؛ من باب أن الاستمرار في دعم النظام السوري بات أقرب إلى نحر سوريا.

 

تقاطع

 

نقطة واحدة تتقاطع عندها المواقف والتحليلات في واشنطن: ان النظام مهما طال حلّه الأمني «انتهى»، ما عدا ذلك كل شيء وارد. الحديث عن طول أو قصر بقاؤه في الحكم، لا يخرج عن استعراض السيناريوهات المحتملة والمرجحة. المؤكد أن المبيت لسوريا من الداخل والخارج عمداً أو عن غير قصد يضع عنق هذا البلد تحت السكين.