لم يغادر التفكير في مياه النيل مخيلة الإسرائيليين منذ أن كانوا في الشتات يبحثون عن الوجود. فالدولة العبرية، والتي كانت تبحث عن مصادر للمياه من أجل ري صحراء النقب، سعت وبكل ما اوتيت من قوة إلى استغلال اتفاقية السلام الموقعة مع مصر حتى يتسنى لها الحصول على مياه النيل عبر خط أنابيب يعبر قناة السويس. بيد أن حلمها ما لبث أن تبدد بسبب المعارضة الشرسة التي وجدها من الجانب المصري.
ويرى مراقبون ومهتمون أن «إسرائيل لن تمحو مشروع مياه النيل من تفكيرها»، لافتين إلى أن «مهمة عدم إفساح المجال لها لتحقيق أهدافها تتطلب تعاوناً وثيقاً بين منظومة حوض النيل لتشكيل جدار عازل لأي تدخل مباشر من إسرائيل في شؤون الحوض».
ولم يكن من المستغرب على الإطلاق للكثير من المتابعين لملف مياه النيل الاتفاق الذي تم توقيعه الاثنين الماضي في الكنيست الإسرائيلي مع شركة الصناعات العسكرية الإسرائيلية المحدودة للتعاون في مجال البنية التحتية المائية والتنمية التكنولوجية، فضلاً عن وقوف تل أبيب المعلن والخفي في خندق مع دول المنبع ضد دولتي المصب السودان ومصر، في وقت مارست الدولتان الصمت المطبق على الاتفاق الإسرائيلي إذ لم يرد أي تعليق رسمي حتى الآن على الأقل، فيما فشلت كل الاتصالات في استنطاق وجهة النظر السياسية حول الاتفاق.
قدم وجود
ويؤكّد الخبير المائي ووزير الري السوداني السابق سيف الدين حمد في تصريحات لــ «البيان» أنّ «إسرائيل موجودة في حوض النيل منذ وقت بعيد عبر المنظمات الدولية»، لافتاً إلى أنّه ليس من المستغرب «أن يتم الاتفاق بين إسرائيل ودولة جنوب السودان»، مشيراً إلى أنّ «إسرائيل تتبع استراتيجية طويلة المدى وأنها اختارت أن يكون مفاوضها الرئيسي خلال مباحثات السلام مع مصر رئيس هيئة المياه».
تحجيم دور
من جهته، يشير الخبير المائي ووزير الري السوداني السابق سيف الدين حمد أنّ «توطيد العلاقات بين السودان ومصر ودول المنبع تعد أحد أهم وسائل تحجيم الدور الإسرائيلي ملف مياه النيل»، متحفظاً عن ذكر التأثيرات المتوقع حدوثها نتيجة الاتفاق على العلاقات بين مصر والسودان من جانب ودولة جنوب السودان من الجانب الآخر، مشيراً إلى أنّه قد يكون للاتفاق يمكن ان تكون دلالاته السياسية.
نفي جنوبي
على الصعيد ذاته، يقول القيادي البارز في الحركة الشعبية الحاكمة في جنوب السودان اتيم قرنق إنّ «ما ينتظره الجنوبيون من إسرائيل يتمثل في تحسين البنية التحتية في الإدارة والاقتصاد، لاسيما مجالي المياه والزراعة والتقنيات الحديثة»، لافتاً إلى أنّ «جنوب السودان لا يعتمد على مياه النيل فقط بل الأمطار والمياه الجوفية أيضاً».
ونفى قرنق صحة ما أثير من أنّ «علاقة الجنوب مع اسرائيل تهدف إلى خنق مصر في حوض النيل»، مشيراً إلى أنّ علاقة بلاده مع مصر ستكون أقوى من علاقة جميع الدول العربية، مردفاً القول إنّ «الجنوب لا يستطيع وقف جريان النيل عبر السودان إلى مصر».
طمع إسرائيلي
بدوره، يوضح السفير أحمد عبدالوهاب جبارة الله، المهتم بقضايا مياه النيل، أنّ «الدور الاسرائيلي في منطقة حوض النيل يصنّف في موقع «الطامع» في اقتناص غنائم سياسية واقتصادية واستراتيجية من تداعيات علاقات دول حوض النيل»، مبينا أنّ «إسرائيل ستستغل كل صلاتها بهذه الدول لدق الأسافين بينها وبين مصر والسودان»، لافتاً إلى أنّ «هذه الأسافين لن تجد بيئة تخترقها إلا حال فشل السودان ومصر في الحوار الفاعل والموضوعي القائم على تبادل المنافع بين دول الحوض، بما يقطع الطريق أو يخفف من أية آثار سلبيه للتحرك الإسرائيلي» .
تعويل
أكدت مصادر مختصة في تصريحات لــ«البيان» أنّها «تعوّل على الدور المصري في نزع فتيل التوتر بين دولتي السودان»، لافتة إلى أنّ «من شأن تحسين العلاقات بين جوبا والخرطوم حلحلة مختلف القضايا العالقة بين دول الحوض».
وأشارت المصادر ذاتها إلى أنّ توافق الخرطوم وجوبا «سيشكّل كذلك سانحة لمصر في تحقيق التقارب والتكامل بين دول الحوض، لاسيما وأنّ دولة جنوب السودان التي انضمت لمبادرة دول حوض النيل مطلع الشهر الجاري تعهدت بالعمل على حل النقاط العالقة بين دول حوض النيل وصولا لرؤية تتوافق عليها دول الحوض».