يلوح في أفق سوريا شتاء، لكن ليس بالمعنى المعهود، وإنما «شتاء غذائي»، نظراً لما تقوم به قوات الأمن من تجريف متعمد على الأراضي الزراعية.

وكان من الطبيعي أن تصبح الحقول الخصبة في سهل الغاب الممتد عبر شرق سوريا مليئة بالمحاصيل في هذا الوقت من العام، ولكن بعضها أصبح «بوراً» هذا الصيف. ويقول محمد الأشهب، مزارع في قلعة المضيق: «لقد انتشر الجيش في الحقول، وهناك نقاط تفتيش حول قريتنا، حيث يسمح لنا الجنود بالمرور أحياناً ويمنعوننا في أحيان أخرى». ويوضح أن بعض المزارعين «لم يتمكنوا من زراعة أي محاصيل، بينما تعرض آخرون للخسائر بسبب ذبول محاصيلهم، إما لأنهم لم يستطيعوا الوصول إليها بانتظام، أو لأنهم كانوا يفتقرون إلى الوسائل اللازمة للعناية بها».

ويردف الأشهب القول: «أصبحت الأسمدة والمبيدات الحشرية مكلفة جداً لدرجة أن الناس تواجه صعوبات لشرائها»، مؤكداً أن وقود «الديزل يكاد يكون غير متوافر». ونتيجةً لذلك، لم يحصد المزارعون في قريته سوى نصف الكمية المعتادة من القمح هذا العام، مشيرا إلى أن «معظم العائلات تعتمد على الزراعة، والآن أصبح العديد منهم بلا دخل.

 فقد اضطررنا للاستغناء عن العمال في مزرعتنا لأننا لم نعد نستطيع دفع أجورهم». ويقول حميد رسول، وهو مزارع من قرية حلفاية في سهل الغاب: «اشتعلت النيران في بعض من حقولنا أثناء القصف، كما أشعل الجنود النار في بعض الحقول كنوع من العقاب لأننا نوفر الملجأ للمقاتلين. كنت زرعت القمح، ولكن حقولي كانت من بين تلك التي أتى عليها الحريق. لقد فقدت كل شيء، قبل أن يحين موسم الحصاد بوقت قصير.

من جهته، أشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» في دورية إخبارية عن الفترة الممتدة بين 6 و 19 يوليو إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية بثلاثة أضعاف في أجزاء من سبع محافظات في سوريا، في حين قد تكون الأزمة الحالية تعيق المزارعين عن العمل.

بدوره، حذر الناطق باسم مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في جنيف ينس لايركي من أن هناك مجموعات كاملة من الناس في المناطق الريف ية، كالمزارعين ورعاة الماشية والعمال الزراعيين المهاجرين، الذين تتعرض مصادر رزقهم «لخطر الانهيار». ويضيف لايركي أن المشكلة «كبيرة وحادة ومتصاعدة، فقد نزح حوالي مليون شخص داخليا». ويقوم برنامج الأغذية العالمي حالياً بتقديم المساعدات الغذائية لنصف مليون شخص ويأمل أن يصل إلى 850 ألف في الشهر المقبل.

من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي السوري البارز سامر سيفان، والذي كان يعمل مستشاراً للحكومة، إن الزراعة هي واحدة من أهم القطاعات الصناعية، إذ إنها تشكل 30 في المئة من إجمالي الناتج المحلي. ويضيف أن «جميع المجالات الزراعية الرئيسة تأثرت جراء الثورة». ويتوقع سيفان ألا يزيد محصول القمح هذا العام عن 1.9 مليون طن فقط.

وكانت سوريا قبل الثورة تنتج في المتوسط أربعة ملايين طن سنوياً، وتعتمد على الواردات لتغطي حاجتها التي تقدّر بنحو سبعة إلى ثمانية ملايين طن. وفي ظل حرق أو نهب المتاجر وقطع طرق النقل، أصبح الحصول على المواد الغذائية الأساسية صعباً منذ عدة شهور في مراكز الاحتجاج مثل حمص وحماه. أما في دمشق، فكانت لدى محلات البقالة مخزونات جيدة نسبياً حتى وقت قريب.