تطرح مشكلة اللاجئين السوريين في العراق الكثير من التساؤلات حول مستقبل العلاقات بين البلدين، حيث كانت الحكومة العراقية «شبه مرغمة» شعبيا ودوليا على قبول اللاجئين، فيما كانت معظم قيادات هذه الحكومة لاجئة في سوريا. ويبدو هذا التناقض واضحا كون حزب البعث هو الحاكم في الحالتين.
وحتى الآن، يبدو موقف الأطراف السياسية الحاكمة في العراق من «سوريا ما بعد الأسد» غير واضح، بين مؤيد ومعارض لما يجري في الأراضي السورية.
وبينما يرى العديد من المراقبين السياسيين أن الدافع الطائفي والتناغم مع المواقف الإيرانية عامل رئيس في السياسات العراقية وأن سيطرة الجيش السوري الحر، سيجعل العراق «مطوقاً طائفياً»، إلا من بوابة إيران الضعيفة حاليا بحكم العقوبات الدولية، يميل آخرون إلى تفسير التغيرات في العلاقات العراقية السورية من مدخل الاختلاف الثقافي والاجتماعي، بحكم الاختلاف أو التوافق التاريخي بين الاحتلالين الفرنسي والبريطاني لسوريا والعراق، حيث لم تشهد العلاقات بين الدولتين في التاريخ القديم والمعاصر «ربيعا طويلا» رغم التقارب الكبير بين الشعبين، بل على العكس، كانت هذه العلاقات في اغلب فترات تاريخها «علاقات صراع» وليس تعاون. ومقابل كل فترة من الوفاق والتعاون كانت توجد مراحل من العداء الطويل والممتد.
خلفية وتاريخ
وبحسب مركز الدراسات القانونية والاستراتيجية في «جامعة النهرين»، يمكن البدء بدراسة التاريخ المعاصر لهذه العلاقات منذ أوائل القرن العشرين، حيث كان كلا البلدين حتى نهاية الحرب العالمية الأولى جزءا من الدولة العثمانية التي دخلت الحرب إلى جانب ألمانيا ضد دول الحلفاء، بينما قامت هذه الدول بتوزيع الإمبراطورية العثمانية بينها وفق اتفاقية «سايكس بيكو».
وحصلت فرنسا على الجزء الأكبر من الجناح الغربي من الهلال الخصيب. أما بريطانيا، فامتدت مناطق سيطرتها من طرف بلاد الشام الجنوبي، متوسعة بالإتجاه شرقا لتضم بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية في سوريا.
وهكذا، وقع العراق في قبضة الاحتلال البريطاني، في حين سيطرت على سوريا قوات الثورة العربية القادمة من الحجاز بقيادة الأمير فيصل بن الشريف حسين الذي أعلن ملكا على سوريا وكان معظم أركان حكومته من العراقيين.
وفي 1920، وقعت أحداث عديدة أثّرت على العلاقات. ففي يونيو من العام نفسه، اندلعت الثورة العراقية الشهيرة بـ«ثورة العشرين». وفي 20 يوليو، وقعت معركة ميسلون الشهيرة بين القوات الفرنسية التي كانت تحاول فرض الانتداب على سوريا والقوات العربية والتي انتهت باحتلال الفرنسيين لدمشق وإسقاط حكومة الملك فيصل.
وفي حين سلك الفرنسيون سياسة «قمعية في سوريا»، رافضين الاعتراف للسوريين بأية مؤسسات دستورية، فان البريطانيين في العراق قرروا إقامة حكومة ملكية في العراق تحت انتدابهم، حيث وقع الاختيار على الملك فيصل بن الحسين الذي فقد عرشه في سوريا ليكون ملكا على العراق وجاء معه، فضلا عن أعضاء حكومته العراقيين، العديد من السوريين.
ووقعت قبيل هذه الفترة حادثة مهمة، حيث كانت مدن البوكمال والميادين ودير الزور مدنا عراقية، بحسب الحدود آنذاك، فأرسلت بريطانيا ضباطا سياسيين لحكم هذه المدن، لكن قوات سورية شنت هجوما على هذه البلدات وأسرت الضباط البريطانيين. وكان من نتيجة هذا العمل أن اعترفت بريطانيا بالأمر الواقع وتم تعديل الحدود إلى وضعها الحالي، فيما ظل سكان هذه المدن عراقيين وسوريين في آن واحد.
خطط الوحدة
وعند نشوب الحرب العالمية الثانية، أصبحت سوريا خاضعة لحكومة فيشي الفرنسية الموالية للألمان، في حين وقع العراق مرة ثانية تحت الاحتلال البريطاني المباشر. وفي يوليو 1941، تقدمت القوات البريطانية من العراق واحتلت سوريا ولبنان وطردت قوات حكومة فيشي وأعلن استقلال سوريا ولبنان العام 1943. وبذل العراق جهوداً كبيرة بهدف الاعتراف الدولي بسوريا ولبنان وإدخالهما في عضوية الأمم المتحدة.
وفي أواخر الأربعينات، وقعت سلسلة من الانقلابات العسكرية في سوريا كان بعضها يدعو إلى ضم سوريا للعراق كحل لازمة عدم الاستقرار السياسي، وهو الأمر الذي كاد أن يتحقق لأكثر من مرة لولا الانقلابات المضادة.
وفي 1958، أقيمت الوحدة بين مصر، وكان حزب البعث السوري حل نفسه، بينما كان النظام الملكي في العراق معاديا للخطوة، ما أحدث قطيعة بين البلدين وحالة من التوتر والمؤامرات استمرت حتى سقوط النظام الملكي العراقي بعد ثورة يوليو 1958.
صحو مؤقت
وبعد نجاح حزب البعث العراقي في القضاء على نظام عبد الكريم قاسم في انقلاب 8 فبراير 1963 وانهيار دولة الوحدة وتسلم البعثيين السلطة في دمشق بعد شهر واحد بالضبط من الانقلاب في العراق، شهدت العلاقات بين سوريا والعراق تحسنا ملحوظا.
إلا أن الحكم البعثي في العراق سرعان ما تصدع نتيجة صراع داخلي بين جناحيه المدني والعسكري، واصطلح على تسمية الجناح الأول بـ«بعث اليسار» أو «جماعة سوريا»، بينما سمي الآخر بـ«بعث اليمين».
وبلغ هذا الصراع أشده في نوفمبر 1963، حيث حلت القيادة القومية للحزب، التي كان مركزها دمشق، قيادة العراق، وتولت حكم البلاد حكما مباشرا. إلا أن هذا الحال لم يدم طويلا، حيث انقلب ضباط الجيش العراقي من القوميين على البعثيين في الثامن عشر من نوفمبر وأقاموا حكومة برئاسة عبد السلام عارف الذي قتل في حادث طائرة قرب البصرة في 1965.
وفي 1978، لاحت فرصة أخرى لتحسن العلاقات. فبعد توقيع مصر اتفاقية «كامب ديفيد»، قامت كل من بغداد ودمشق بمحاولات للتقارب فيما بينهما باتجاه عزل مصر عربياً ولمنع أطراف عربية أخرى من أن تحذو حذوها، حيث عقدت بين سوريا والعراق «اتفاقية العمل المشترك»، غير أن بعض الأطراف في القيادة العراقية، وخصوصاً نائب رئيس مجلس قيادة الثورة صدام حسين ومؤيديه، أعلنوا عن مؤامرة ضد نظام الحكم اشتركت فيها أطراف من داخل القيادة العراقية وبتأييد من سوريا، بهدف أن يصبح حافظ الأسد رئيساً للدولة الموحدة، فاعدم أعضاء من القيادة العراقية أمثال محمد عايش وعدنان حسين الحمداني، لتعقب هذه الحادثة قطع العلاقات كافة بين البلدين.
وشهدت علاقات الجارين تحسنا نسبيا، وجرى تقارب بين النظامين الحاكمين في بغداد ودمشق إبّان الفترة التي فرضت فيها العقوبات الدولية على العراق، خاصة في الفترة التي سبقت احتلال العراق وسقوط نظام صدام حسين، حيث اتُهم السوريون ببيع النفط العراقي وتهريب البضائع إلى العراق. وربما يوحي تقارب النظامين في العراق وسوريا قبيل سقوط نظام صدام حسين، بتشابه التقارب الحالي، قبيل رحيل الرئيس السوري بشار الأسد وهو «تقارب الوقت الضائع».
توتر
عقب تسلم الرئيس العراقي صدام حسين زمام الأمور رسميا في العراق العام 1979 واندلاع الحرب مع إيران في العام الذي تلاه، اختارت سوريا الوقوف إلى جانب طهران في الحرب، ما أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين العام 1982 بعد أن اتهم العراق سوريا بـ«تهريب الأسلحة إلى العراق عن طريق سفارتها ببغداد». واستمرت العلاقات بين البلدين متوترة، وزادت توترا بعد أن قررت الحكومة السورية المشاركة في القوات الدولية التي أخرجت القوات العراقية من الكويت العام
