من يقارن بين خبر انشقاق العريف في الحرس الجمهوري وليد القشعمي في الأيام الأولى للثورة السورية، وما حظي به من اهتمام إعلامي، مع أخبار الجنرالات الذين يتوالى انشقاقهم هذه الأيام، يلحظ مدى التطورات الدراماتيكية التي وصلت إليها الأزمة السورية، وخصوصاً بعد أن أعلن أقرب أصدقاء الرئيس وقائد أحد ألوية الحرس الجمهوري انشقاقه وانضمامه إلى الثورة السورية.

ولفترة طويلة كان النظام السوري يظن نفسه أبعد ما يكون عن خطر الانشقاقات في مؤسساته سواء العسكرية أو الأمنية أو الدبلوماسية أو الحكومية. وما دعم هذا الاعتقاد مرور الكثير من الوقت من عمر الثورة السورية قبل أن تتوالى الانشقاقات التي وصلت في الأيام الأخيرة إلى مرحلة غير مسبوقة تشبه انفراط عقد السبحة، وهو ما يذكّر بموجة الانشقاقات المتلاحقة عن نظام القذافي.

انشقاق خدام

وطوال أعوام حكمه الممتدة على مدة أكثر من أربعة عقود لم يعهد النظام التعامل مع هذه القضية، اللهم إلا انشقاق نائب الرئيس عبد الحليم خدام في آخر ليلة من عام 2005. يومها عقد النظام جلسة لمجلس الشعب تناوب الأعضاء فيها على توجيه الشتائم لـ«أبي قبح» بدلاً من «أبي جمال» كما قال أحد الأعضاء يومها.

ولكن ما كان مستحيلاً أصبح اليوم حقيقة ماثلة لعيان، بعد أن انشق خلال الأيام القليلة الماضية أكثر من أربعة دبلوماسيين، ثلاثة سفراء وملحق أمني، ومئات الضباط وآلاف العناصر، وبينهم رتب عليا لعل أبرزها قائد اللواء 105 في الحرس الجمهوري العميد الركن مناف طلاس، وقائد اللواء 137 في دير الزور العميد الركن نادر فرحان الدروش.

ومن المتوقع أن ينشق آخرون في الأيام المقبلة، خصوصاً وأن أنباء تحدثت عن عزم الخارجية السورية استدعاء جميع الدبلوماسيين الذين يشك بولائهم، وهو ما سيضطر هؤلاء إلى إعلان الانشقاق أو الاكتفاء بعدم العودة والاستنكاف عن تنفيذ القرار.

انشقاق شبه مستحيل

وما يجعل الانشقاق عن النظام شبه مستحيل، هو طريقة اختيار ذوي المناصب الدبلوماسية أو العسكرية أو غيرها، فالفروع الأمنية الرئيسية الأربعة تجري دراسات متعددة عن أي شخص مرشح لمنصب قيادي، وبعد ذلك تجري مقاطعة للمعلومات بين هذه الأفرع، وإذا كان لأحدها اعتراض أو ملاحظات على أحد المرشحين يبطل ترشيحه.

ويشكو كثير من الدبلوماسيين والعسكريين من أن ذويهم تحت تهديد الملاحقة والانتقام إن هم أعلنوا انشقاقهم، ولذلك كان تأمين عائلات المنشقين على رأس الأولويات قبل إعلان الانشقاق، وهذا ما أخر من إعلان الكثيرين خطوتهم التي باتوا مقتنعين فيها منذ أشهر. ولجأت أجهزة النظام في الفترة الأولى من الثورة، وبعد إعلان نائبين من محافظة درعا ومفتيها استقالاتهم من مناصبهم عقب مذبحة درعا الأولى، إلى إجبار المستقيلين على التراجع عن استقالاتهم، والظهور على شاشة الفضائية السورية معلنين أنهم تعرضوا للتضليل.

أخبار ملفقة

كما لجأ النظام إلى ترويج أخبار انشقاقات وهمية، سرعان ما كان يظهر صاحبها لينفي الأخبار التي تروجها ما يطلق عليها قنوات الفتنة، وهذا ما حدث بالضبط مع السفيرة السورية في باريس لمياء شكور التي أعلنت قناة انشقاقها، ثم تبين أن الموضوع غير صحيح.

حسين هرموش

وصل الأمر بعضو مجلس الشعب الموالي خالد العبود لأن يجدف على الله ذات مرة في تعليقه على أخبار الانشقاقات في الجيش السوري. ويومها كان مستوى الانشقاقات لا يتعدى الرتب الصغيرة والمتوسطة، حيث كان المقدم حسين هرموش أعلى رتبة تنشق عن الجيش السوري ويفر إلى تركيا. ومع ذلك لم يغفر النظام له وقام بخطفه من معسكر يادين التركي وأظهره على التلفزيون السوري معترفاً بخطئه.