فتح موضوع الأسلحة الكيماوية السورية مؤخراً في واشنطن مع توسع رقعة القتال وتزايد الانشقاقات العسكرية، حيث بات حديث المسؤولين والخبراء والمحللين من زاوية أن مخزون هذا السلاح قد يقع كله أو جزء منه في أيدي «المتطرفين وقوى الإرهاب» لو سقط النظام وعمّت الفوضى في سوريا، خاصة بعد احتدام المواجهة، في أعقاب عملية التفجير بمبنى الأمن القومي في دمشق.
حيث ساد الاعتقاد للوهلة الأولى، بأن الوضع بات على عتبة الانهيار ثم تطورت المخاوف إلى تلويح بعمليات عسكرية تشارك فيها إسرائيل أو تتولى القيام بها لوحدها؛ بزعم حماية نفسها من خطر هذه الأسلحة.
ومنذ ذلك الحين، وملف «الكيماوي» يحتل عنوان المتابعات الأميركية للوضع السوري.
وزاد من التهابه تطوّع دمشق بالحديث عنه، أو بالأحرى وقوعها في الاستدراج للحديث عنه، وتلويحها باستخدامه كسلاح دفاعي ضدّ أي تدخل خارجي، ما أسهم في تأجيجه، حيث تلقفته واشنطن، الرسمية والإعلامية، لتكبير خطره من زاوية أن سوريا اعترفت بامتلاك هذا السلاح وبأنها لا تتردد في استخدامه.
ولم يخفف التطمين بأنها لن تستعمله في الصراع الداخلي وأنه في مأمن تحت الحراسة المشددة من شحن الأجواء في هذا الخصوص.
الرئيس الأميركي باراك أوباما عاد في خطاب بشأن السياسة الخارجية إلى سيرة الأزمة عبر «الكيماوي»؛ ليحذر من عواقب أي استخدام لهذا السلاح، ويحمّل سوريا مسؤولية حماية مخزونه. وهو تحذير تناوب المسؤولون في البيت الأبيض والخارجية على تكراره في الأيام الماضية.
ورافق ذلك معلومات تحدثت عن تصعيد الإدارة لدورها في تشديد الحصار الاقتصادي على سوريا وتعزيز مساعدتها «بعض» قوى المعارضة، سواء على مستوى التنسيق مع مصادر تسليحها، أو على مستوى توفير المعلومات اللازمة لقواتها الميدانية.
الشريط العازل
وفي ضوء الانشغال بـ«الكيماوي»، عاد خيار الشريط العازل إلى الطاولة، حيث حملت لواءه الأوساط المحافظة من خلال ضغوط إعلامية وسياسية على الإدارة لحملها على تبنيه.
كان أبرزها كتاب رفعه اليوم إلى أوباما 62 من المسؤولين السابقين والعاملين في حقل الشؤون الخارجية غالبيتهم من وجوه المحافظين الجدد الذين عملوا في إدارة جورج بوش يدعونه إلى فرض منطقة عازلة بقوة السلاح في المناطق التي حرّرها المقاتلون، ويذهب هؤلاء في طلبهم إلى حدّ تصنيف الاستنكاف عن القيام بهذه المهمة في خانة «التواطؤ في الظلم».
وفي ظلّ تزايد الضغوط المحلية والميدانية، أشارت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون إلى هذه المناطق «التي تواصل المعارضة بسط سيطرتها عليها، فيما تتراجع قبضة النظام عنها»، باعتبارها مشروعا قادما لمنطقة عازلة.
كلامها أخذ تفسيرين: إما أنه تمهيد غير مسبوق لدعم الإعلان عن إقامة مثل هذا الشريط، الذي لم تكن واشنطن من أنصاره ولغاية اجتماع حلف شمال الأطلسي «الناتو» الأخير. وإما أنه تهويل على النظام السوري لإرباكه وتشجيع المزيد من حالات الانشقاق عنه.
وبموازاة ذلك، يحرص المسؤولون الأميركيون، خلافاً للسابق، على تقديم صورة إيجابية عن المعارضة و«تطور علاقات أطرافها مع بعضها»، فضلاً عن التنويه بفعالية عملياتها. وهي صورة ما زالت موضع ارتياب، حتى على مستوى الكونغرس. ويشكك رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس النواب في المعلومات التي تتحدث عن انكفاء سيطرة النظام بالدرجة التي يشاع أنه بلغها بقوله: «لسنا هناك بعد».
إقحام «الكيماوي»، لعبة خطرة. الحديث عنه، حتى مع توضيح ظروف استخدامه؛ يؤدي إلى فتح أبواب تزيد من مخاطر الأزمة وتعقيداتها. وبدا أنه أسهم في التعجيل بفرض المنطقة الحدودية العازلة.
واجب أخلاقي
قالت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون إن على الولايات المتحدة «الواجب الأخلاقي» للتدخل لمنع أي نظام من ارتكاب إبادة ضد شعبه. وقالت كلينتون خلال ندوة إن أوباما «أقر بوضوح أن استباق وقوع جرائم جماعية وعمليات إبادة يتعلق بالأمن القومي، وهو أيضا مسؤولية أخلاقية».
