توالت في الآونة الأخيرة الإشارات التي تصبّ في التمهيد لانتقال إسرائيل من التحكم بعملية السلام إلى التفرّد بقرارها النهائي وطيّ صفحتها إلى غير رجعة. وصدرت تباعاً وبصورة شبه متكاملة عن مسؤولين إسرائيليين. كما جرى التلميح إليها على لسان جهات أميركية خاصة يهودية مقربة من مواقع القرار الإسرائيلي؛ تحت غطاء الحديث عن الحاجة إلى «تغيير دينامية» المعادلة القائمة المقيّدة لمسيرة السلام. وجاءت زيارة وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون إلى القدس ولقاءاتها المكثفة مع سائر القيادات الإسرائيلية وما تخللها من تلميحات لتصبّ في جانب منها في هذا المجرى، أو هكذا بدت بصرف النظر عن الغاية التي تنشدها واشنطن من التماهي المتزايد مع الممارسات الإسرائيلية، مقابل شبه تجاهل للطرف الفلسطيني ومطالبه حتى البديهية منها.

خلال زياراتهم مؤخراً إلى واشنطن، طرح عدد من المسؤولين الإسرائيليين الحاليين والسابقين فكرة قيام إسرائيل بالإعلان عن دولة فلسطينية من جانب واحد على المساحة التي تنوي الانسحاب منها والتي لا تزيد عن 60 في المئة من مساحة الضفة على أن تستثنى منها القدس الشرقية ومن أن تتعرض هذه الصيغة لموضوع اللاجئين. وقد روّج هؤلاء، مثل شاؤول موفاز وآمي أيالون، لهذا الطرح بزعم أنه قد «حان وقته» لكسر الجمود ووضع الأمور في نصابها النهائي، من جهة؛ والردّ على محاولات الجانب الفلسطيني لانتزاع الاعتراف بالدولة من جانب الجمعية العمومية الأمم المتحدة، من جهة ثانية.

مبعوث مكوكي

وطرحت الفكرة في التداول من دون اعتراضات أميركية مسموعة لا من الإدارة ولا من أهل الرأي في واشنطن. جرى التعامل معها بأنها مجرد اقتراح يمثل أصحابه وكأن الحكومة الإسرائيلية بعيدة عنها. لكنها بقيت على الطاولة ولو من غير الترويج لها وحظيت بقدر من التفهم. الجانب الإسرائيلي طرحها لجسّ النبض وتمهيد الأجواء لتسويقها. دنيس روس، المبعوث المكوكي الأسبق والعارف بخبايا المواقف الأميركية والإسرائيلية تجاه هذا الملف، يقول بأنه «ليس من أنصار الخطوات الأحادية»، أي أنه ضمناً يغمز من زاوية التوجه الفلسطيني نحو الأمم المتحدة، بزعم أنها «لا تجدي وتزيد من التعقيدات». ولم يحذّر إسرائيل من الإقدام عليها، كما سبق له أن نهى الفلسطينيين عنها بلغة تحذيرية. ولتعزيز التفهم للتوجه الإسرائيلي الأحادي، يقول روس إن «الاهتمام بعملية السلام بات مفقوداً، ليس فقط الآن خلال الموسم الانتخابي ولكن أيضاً بعده وحتى لو أعيد انتخاب أوباما» وذلك لصعوبة وربما لاستحالة التوفيق بين الشروط الإسرائيلية والفلسطينية لاستئناف المفاوضات. مغزى هذا الكلام، أنه في ضوء هذا الانسداد يصبح من المنطقي الانفتاح على الطرح الأحادي الإسرائيلي. ترويج مغلّف لمثل هذا التوجه.

شرعنة الاحتلال

وصبّ في هذا المجرى، ما صدر مؤخراً في تقرير اللجنة الحكومية التي كان على رأسها القاضي الأول الأسبق للمحكمة العليا الإسرائيلية ادموند ليفي؛ والذي جاء فيه بأن إسرائيل «ليست قوة احتلال والاستيطان ليس غير شرعي ولا تنطبق عليه نصوص مؤتمر جنيف الرابع». الإدارة الأميركية كرّرت موقفها الخاوي بخصوص الاستيطان من غير تعليق على قرار اللجنة ومدى خطورته. وكذلك فعل أنصار إسرائيل في واشنطن. «هذه مقترحات معروضة على رئيس الوزراء نتانياهو بانتظار البتّ بها»، يقول دانيس روس. أما هو فنأى بنفسه عن التعليق! كما لاذت واشنطن بالصمت، كالعادة، عندما أقامت إسرائيل الدنيا ولم تقعدها بوجه دائرة حقوق الإنسان ومنعت مندوبيها من الدخول بعد الآن إلى الضفة، بذريعة أن تقاريرها بشأن عربدة المستوطنين اليومية في الأراضي الفلسطينية، كانت «منحازة ومتجنية» على إسرائيل. عندما تأتي هذه الحقوق وتقرع باب إسرائيل يغيب «الحرص» الأميركي عليها. يأخذ إجازة. تماماً كما غاب الاهتمام بالوضع الفلسطيني خلال زيارة الوزيرة كلينتون التي اكتفت بلقاء مع رئيس الحكومة الفلسطينية، مقابل الاغداق في اللقاءات مع الجانب الإسرائيلي وإغراقه بالتطمينات، الأمنية والإقليمية. تكتيك

سواء كانت فكرة إعلان إسرائيل لحدود الدولة الفلسطينية، من باب التكتيك الضاغط على الطرف الفلسطيني لحمله على صرف النظر عن طلب الاعتراف الدولي بدولته، أو من باب مراكمة المقدمات لترجمة هذا الخيار؛ فإن التوجه بات يبني ديناميته الذاتية لتمريره في اللحظة المناسبة وتحت ستار غبار الأوضاع المتفجرة في المنطقة والمرشحة لمزيد من التفجر.