لم يكن خارج التوقعات في واشنطن أن يشهد الوضع السوري المزيد من التدهور الأمني وأن يأخذ انعطافة نحو الأخطر.

وأشارت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون إلى مثل هذا المنحى المرجّح عندما قالت قبل أيام إن «سوريا تقف على مفترق طرق». لكن على الرغم من ذلك، فوجئت العاصمة الأميركية، على ما بدا من ردودها، بالعملية الأمنية التي استهدفت ثلاثة من كبار قيادات النظام في قلب العاصمة السورية. بل اندهشت من حصولها في قلب المؤسسة الأمنية ووصولها إلى العصب الحساس فيها؛ وذلك بصرف النظر عن ظروفها وتفاصيلها والجهة المسؤولة عنها، أو الضالعة فيها وعما إذا كانت داخلية أم خارجية.. محلية صرف أو مختلطة.

قلعة أمنية

وكان الاعتقاد السائد أن القلعة الأمنية السورية منيعة إجمالاً وأن نواتها الصلبة محصّنة وعصية على الاستهداف، على الأقل حتى إشعار آخر، خاصة وأن دمشق، مركز هذه النواة بقيت نسبياً هادئة ولغاية الأيام القليلة الماضية.. من هنا كان الارتباك في التكهنات والسيناريوات التي تلاحقت، خلال الساعات الأولى التي تلت الحدث. كلها محتملة، يقول أصحابها. وتقول الباحثة المتخصصة في مؤسسة «كارنيغي» للسلام في واشنطن مارينا أوتاواي في جوابها على سؤال «البيان»: «قد تكون حصيلة اختراق للآلة الأمنية السورية، خاصة إذا صحت المعلومات القائلة بأن المتفجرة جرى تمريرها وزرعها في المكان المطلوب وفي اللحظة المناسبة».

فرضيات أخرى

وإذا كان هذا الاحتمال هو الغالب حتى الآن في معظم الترجيحات، إلا أن هناك فرضيّات أخرى طرحت في ضوء ما تناقلته التقارير الميدانية، ولو أنها بقيت في إطار الأسئلة المعلقة وعلامات الاستفهام. وتراوحت بين إمكانية أن يكون حصل تفكك في الأجهزة نتيجة التعب والضغوط والانشقاقات وبين عدم استبعاد ضلوع تنظيم «القاعدة» مروراً باحتمال ان تكون العملية بداية صراع كاسر داخل الحكم؛ وإن كان ذلك من باب الظن الذي لا يستند على وقائع، بانتظار ما يتوالى من تطورات قد تكون كفيلة بجلاء الصورة على حقيقتها.

وتوقفت بعض التقارير عند مظاهر غير مألوفة سورياً، في مثل هذه الحالات؛ مثل «مسارعة وسائل الإعلام إلى بث الخبر فوراً ثم استدراكها لعبارة «عمل انتحاري» وحذفها من الخبر؛ فضلاً عن هدوء الوضع في الدائرة المجاورة لمبنى الأمن القومي، بعد وقوع التفجير،. أمور قد لا تعني الكثير ولا تنطوي على أي مدلول، لكن الحيرة والحاجة إلى تفسير؛ جعلت المراقبين يتوقفون عند كل فاصلة، علّها تنطق بمؤشر.

تحفط الادارة

وبدت الإدارة الأميركية شديدة التحفظ حيال الحدث. بقيت على خطابها بحيث انحصرت ردودها برفض العنف مع التنويه بأن القياديين الثلاثة كانوا من مهندسي العنف وتحميل النظام مسؤولية وصول الأوضاع إلى ما هي عليه اليوم؛ فضلاً عن التوكيد على ازدياد الحاجة لعملية انتقالية سياسية، إلى جانب التشديد على ضرورة حماية سوريا لمخزونها من الأسلحة الكيماوية.

ولم يخرج الناطق الرسمي في الخارجية، عن هذا الخط رغم الإلحاح لاستبيان موقف واشنطن من الحدث نفسه. فتركيزها على التصويت في مجلس الأمن.

الأزمة السورية «خرجت عن حدود القدرة على السيطرة عليها»، بحسب تعبير وزير الدفاع ليون بانيتا والناطق الرسمي في الخارجية باتريك فانترال. كما باتت «محكومة بتوالي الانهيارات والانشقاقات وتراخي التماسك في جسم النظام مع انحسار متزايد لسيطرته على المناطق السورية »، كما قالت أوتاواي ويشاركها فيه العديد من المحللين.

إدانة الإرهاب

كان لافتاً إصرار المسؤولين الغربيين على إدانة الارهاب قبل التصريح حول العملية، معتبرين التفجير مدان من قبلهم، غير أن ذلك لا ينبغي أن يصرف الأنظار عن الحاجة إلى انتقال سلمي، وقرار حازم ضد النظام في مجلس الأمن. فعلى الرغم من أن الشخصيات المستهدفة كانت تشرف على عمليات قتل السوريين، لم يرفع ذلك الحرج من حساسية موضوع العماليات التفجيرية التي تصنف ضمن خانة الارهاب مهما كانت مبرراتها وأسبابها.