ينجح الأزهر الشريف من آن لآخر في امتصاص غضب الشارع المصري وحسم الجدل الدائر حول عدد من القضايا المثارة على الساحة السياسية، مثل الأحداث الطائفية التي شهدتها مصر خلال المرحلة الانتقالية الأخيرة. كما لعب دورًا كبيرًا في الخروج من مأزق المادة الثانية من الدستور المصري، وهي المادة التي يصفها سياسيون بأنها «من المواد الملغومة بالدستور»، والتي كلما تم الاقتراب منها أثير جدلًا موسعًا.. فقد توصل إلى اتفاق بشأن بقاء تلك المادة على ما هي عليه، والتي تنص على أن «الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع».

و أكدت مؤسسة الأزهر الشريف على أنه لا مساس بحقوق الأقباط والأقليات بشكل عام في مصر، في الوقت الذي تباينت آراء تيارات الإسلام السياسي، فرحبت جماعة الإخوان المسلمين، وهي الفصيل السياسي الأكثر تواجدًا أسفل قبة البرلمان، مؤكدة في الوقت ذاته على أن الأزهر الشريف يؤدي مهمته على أتم وجه.

وخاصة أنه مؤسسة وسطية معتدلة، فيما راح أنصار حزب النور السلفي، الفصيل السياسي صاحب أكبر نسبة تواجد بالبرلمان المصري بعد حزب الحرية والعدالة، يرفضون بقاء تلك المادة على ما هي عليه، ويصرون على ضرورة حذف كلمة «مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع».

علاقة شائبة

وكانت العلاقة بين المسلمين والأقباط شابها بعض الخلل خلال المرحلة الانتقالية، لكنه كان على فترات قصيرة متباعدة خلال المرحلة نفسها، من منطلق عدد من الأحداث الطائفية، التي كان أولها «فتنة إمبابة»، وهي أحداث عنف بين السلفيين المسلمين ومسيحيين بحي إمبابة بالجيزة، ثم أحداث كنيسة «عين شمس» عندما رفضت مجموعة من أهالي الحي فتح كنيسة السيدة العذراء هناك، فضلا على أحداث ماسبيرو الشهيرة، التي راح ضحيتها عشرات الأقباط.

تفادي الفتنة

وفي 13 أكتوبر الماضي، حاول رئيس مجلس الوزراء آنذاك د.عصام شرف، تفادي الفتنة بين الطرفين، فأصدر قرارًا وزاريًا بتشكيل «بيت العائلة المصرية»، وهو مجلس برئاسة شيخ الأزهر د. أحمد الطيب، و بطريرك الأقباط الأرثوذكس البابا شنودة الثالث قبل أن يتوفى.

ومقره الرئيسي مشيخة الأزهر بالقاهرة، يهدف إلى الحفاظ على النسيج الاجتماعي لأبناء مصر بالتنسيق مع جميع الهيئات والوزارات المعنية في الدولة، ويتكون من عدد من العلماء المسلمين ورجال الكنيسة القبطية وممثلين من مختلف الطوائف المسيحية بمصر وعدد من المفكرين والخبراء.

ويكون لبيت العائلة مجلس أمناء برئاسة شيخ الأزهر والبابا بالتناوب، ويختص برسم السياسات العامة ومتابعة الأنشطة... واستطاع الأزهر الشريف من خلال بيت العائلة أن يمتص غضب الأقباط، ويمتص نار الفتنة ويطفئها، وهو الدور الذي كان له أثر كبير في وأد الفتنة.

نيران الفتنة

وباستمرار رفض التيار السلفي لفكرة بقاء المادة الثانية من الإعلان الدستوري على ما كانت عليه من قبل، تقوم مؤسسة الكنيسة برفض رفضه، والتأكيد على ضرورة بقاء المادة على ما هي عليه، دون المساس بها مطلقًا، وخاصة أنها قد يتم تفسيرها بصورة تخدم وضع إرهاصات لدولة دينية، وليست مدنية، وهو الخلاف الدائر بين الطرفين، الذي قد يشعل نيران الفتنة بين الطرفين، مع تشدد الجانب السلفي في معارضته لمثل تلك المادة، وانقلابه على مؤسسة الأزهر الشريف نفسها.

 

ثقة بالأزهر

 

 

يؤكد مراقبون على ثقتهم بمؤسسة الأزهر الشريف في التخلص من الإشكالية الحالية، وإقناع التيار السلفي، وخاصة أن الأكثرية البرلمانية الممثلة في الإخوان المسلمين يرحبون ببقاء المادة كما كانت عليه بالفعل، مؤكدين في الوقت ذاته على دور مؤسسة الأزهر في مواجهة المشكلات الطائفية التي تواجه الشارع المصري.

فاستطاع من خلال «بيت العائلة» اتخاذ جملة من القرارات الحاسمة، لعب خلالها دور الوسطية، فوافق على اعتماد لائحة خاصة ببناء الكنائس على غرار اللائحة الخاصة ببناء المساجد، حيث تحدد اللائحة الجديدة ضوابط وشروط بناء الكنائس الجديدة، وكذلك توفيق أوضاع المباني الكنسية التي أقيمت بالمخالفة لأحكام القانون، وفقًا لمشروع قانون دور العبادة غير الإسلامية الجديد.