لم يكن المبعوث الأممي العربي المشترك كوفي أنان أنهى لقاءه مع الرئيس السوري بشار الأسد في دمشق عندما كتب أحد المدونين السوريين في صفحته على «الفيسبوك»: «إذا كان أنان يريد حواراً حقيقياً فليتبرع أحدكم له بعنوان (سكايب) لأحد الناشطين في حمص». لكن هل اقتنع المبعوث الأممي العربي فعلاً أن أي حل لا يمكن إلا أن يكون بالتفاوض والحوار مع الداخل (الجيش الحر)؟، أم أن هناك صفقة ما يقودها أنان لصالح النظام؟.

عجز المجلس

وقرأ البعض تصريح أنان في دمشق عن اتفاقه والأسد على طرح لوقف العنف سيناقشه مع «المعارضة المسلحة» بأنه اعتراف ضمني بعجز المجلس الوطني السوري عن الدخول في مفاوضات تحظى بموافقة الجيش الحر الذي يبدو أنه فرض نفسه على معادلة الحل بعد هيمنة المجلس الوطني على دبلوماسية المعارضة السورية قرابة عشرة شهور. ولا يختلف الناطق باسم المجالس العسكرية التابعة للجيش الحر العقيد قاسم سعد الدين في تصريحات لـ«البيان» من حمص على هذه المعادلة، ويؤكد أن «القرار هو بيد الجيش الحر، وكل ما يصدر من الخارج هو حبر على ورق إذا لم يحظ بموافقتنا».

خطة روسية إيرانية

لكن العرض الذي قدمه أنان لم يتضح منه سوى تفاصيل غامضة مثل تعهد الأسد بوقف العنف خطوة بخطوة وبدءا من المناطق الأكثر عنفاً. ويقول سعد الدين إن ما يطرحه انان هو «خطة روسية إيرانية بعد الفشل في الرهان على جيش الأسد في الحسم.. وهي خطة واضحة.. قد يقولون لنا في النهاية إن بشار الأسد سيرحل لكن وفق ملامح الخطة فإنه يقضي بتعويم النظام». ويضيف: «إذا تضمنت الخطة رحيل النظام بكل رموزه فنحن لا مانع لدينا من الخوض في التفاصيل».

وبعيداً عن موافقة المنشقين من عدمه على ما سيعرضه عليهم أنان، إلا أن هذا التحول في مهمة المبعوث الأممي عبر الاعتراف بالجيش الحر كـ«صاحب القرار» في معادلات الحل تمت ترجمتها سريعاً باتصالات أجراها رئيس بعثة المراقبين الأمميين في سوريا الجنرال روبرت مود مع العقيد قاسم سعد الدين الذي رفض الخروج من سوريا بحسب طلب الجنرال النرويجي من أجل التفاوض. وقال العقيد السوري: «قلت له إن بإمكانه التواصل مع العميد مصطفى الشيخ (قائد المجلس العسكري المقيم في تركيا)»، مضيفاً: «لو أننا شاركنا في مؤتمر القاهرة الأخير للمعارضة السورية لربما كان ممكناً تمرير حل من دوننا». وكان المجلس العسكري الأعلى أصدر بياناً موقعاً باسم العقيد سعد الدين اعتبر فيه مؤتمر القاهرة «مؤامرة».

التقاط الأنفاس

ولا يبدو أن الجيش الحر مهتم بالعرض الذي ما زال أنان يتكتم عليه، فصفحات الكتائب العسكرية على الانترنت تزدحم بمقاطع الفيديو للعمليات العسكرية التي يقومون بها ضد القوات الموالية للنظام، وتخلو من الإشارة إلى تصريحات أنان. ويقول الناشط الاعلامي الذي اكتفى بذكر اسمه الاول، طارق، وينقل أخبار الجيش الحر من حمص: «بالتأكيد قرار الثورة هو بيد الجيش الحر الذي يرفض مبدئياً عرض أنان الغامض». ويضيف: «تحدثت مع قيادات في الجيش الحر ومنهم الملازم أول عبد الرزاق طلاس.. هناك إجماع على رفض أي صيغة حل لا تتضمن رحيل النظام وعلى رأسه بشار الأسد». مشيراً إلى أن «لا احد يعرف ما الذي يريده أنان.. كيف سينفذ خطته؟ أعتقد ان النظام وافق ليلتقط أنفاسه ويوقف تقدم الجيش الحر.. وأنان يعرف هذا جيداً».

فخ للثورة

في المقابل، يرى الناشط البارز في لجان التنسيق المحلية منهل باريش أن أنان يسعى إلى التهدئة في بعض المناطق «باستراتيجية رسمها النظام». مشيراً إلى أن اختياره لـ«المعارضة المسلحة» بدلاً من المجلس الوطني لا يعني أن القرار أصبح بيد الجيش الحر، بل لأنه «يريد تثبيت وجود مسلحين لإيقاع الثورة والجيش الحر في مطب الحرب الأهلية». ويوضح باريش: «الأسد يدرك ان توصيف ما يحدث في سوريا من قبل الامم المتحدة والصليب الاحمر بالحرب الأهلية سينجيه من الملاحقات الدولية.. العرض الذي سيقدمه للجيش الحر هو فخ لإنقاذ الأسد.. لكن باعتقادي لن ينجح في ذلك». المجالس العسكرية

يبدو الجيش الحر أكثر تجانساً من المجلس الوطني السوري الذي تتنازعه الخلافات الداخلية، فضلاً عن الهوة التي تفصله عن أطراف المعارضة الأخرى رغم مقررات مؤتمر القاهرة، حيث ينتظم المنشقون في عشرة مجالس عسكرية تغطي معظم أنحاء سوريا، كما تنضم كتائب جديدة يومياً إلى هذه القيادة العسكرية التي يقودها العقيد قاسم سعد الدين في الداخل بما فيها تشكيلات عسكرية تقود العمليات داخل العاصمة دمشق.. لكن هذا لا ينفي وجود كتائب خارج المجلس تقوم بعمليات غير منضبطة ضد أهداف خاطئة وبعيدة عن أخلاقيات الثورة.