تبدو مشاركة المخيمات الفلسطينية في الثورة السورية ملفتة، فرغم عدم تسليط الضوء عليها إعلامياً إلا أن دورها يقترب من المشاركة الكاملة في الثورة ضد الرئيس بشار الأسد، وتلعب دوراً بارزاً كخطوط إمداد حيوية للمناطق المحاصرة والمنكوبة. لكن الانقسام انتقل إلى الساحة السياسية الفلسطينية، فكما أن الغالبية مؤيدة للاحتجاجات ضد دولة «الممانعة قشراً والمهادنة لباً»، وبعضهم يعمل ضمن تنسيقيات الحراك الثوري، إلا أن جزءاً ذا نفوذ يعمل إلى جانب النظام قولاً وفعلاً.

ولا تخفِ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة) تأييدها للنظام، بل صرح أمينها العام احمد جبريل أنه سيقاتل إلى جانب النظام ضد «الخارج». وكان هذا الفصيل هو الذي تولى عمليات القمع والقتل التي أعقبت احتجاجات في ذكرى إحياء النكبة العام الماضي حيث ذهب ضحيتها العديد من الشبان الفلسطينيين بعد وضعهم وجهاً وجهاً أمام جنود الاحتلال الاسرائيلي. غير أن صمت حركتي حماس والجهاد الإسلامي شجع ظهور أصوات معارضة جديدة من داخل المخيمات، وفي مقدمتها مخيم درعا الذي يضم خمسة آلاف لاجئ ، ويتعرض حالياً إلى هجوم عنيف بكافة أنواع الأسلحة الثقيلة، وأسفر الأسبوع الماضي عن مقتل أكثر من خمسة أشخاص من اللاجئين الفلسطينيين، كما نزحت أكثر من ألف عائلة.

عقوبة بالقصف

وقال رامي، وهو ناشط فلسطيني من مخيم درعا لـ«البيان»: «قدمنا مساعدات إنسانية وطبية لإخوتنا السوريين .. وعقوبتنا هي قصف مستمر منذ أسبوعين وتهجير للسكان.. والمنظمات والفصائل الفلسطينية التي تدعي أنها تمثلنا التزمت الصمت». وأضاف: «من بقي منا هو بحماية الجيش الحر». ووثقث لجان التنسيق المحلية أعداد الفلسطينيين الذين قتلوا على يد قوات النظام بنحو 70 شخصاً موزعين بين المخيمات في اللاذقية وحمص وحماه ودرعا ودمشق وريفها، لكن أرقاماً أخرى من مصادر فلسطينية أكدت أن العدد تجاوز 165 قتيلاً ومئات المعتقلين والمفقودين.

وأكثر المخيّمات وضوحاً في مساندتها للثورة هو مخيم الرمل في مدينة اللاذقية والتي احتضنت معظم الناشطين الملاحقين من قوات الأمن، وتعرضت إلى قصف بالدبابات والبوارج البحرية مما ادى إلى سقوط عشرات القتلى وتشريد الآلاف. ويقول عدنان ناشط فلسطيني، فر من حي الرمل الجنوبي إلى دمشق من الملاحقة الأمنية: «الشعب الفلسطيني لا يختزل في أحمد جبريل وياسر قشلق (رئيس حركة فلسطين حرة)، نحن جزء من الشعب السوري، فينا المؤيد والمعارض والمحايد والشبيح، ونحاول المساهمة في الثورة حسب إمكانياتنا».

ويضيف عدنان إن أحد دوافعه للمشاركة في الثورة هو أنه «لعب بنا كفلسطينيين منذ أكثر من 40 عاماً، وحكم شعبه في ظلم واستبداد باسمنا، وتسبب لنا باقتتال داخلي، وكان وراء مجازر في مخيم تل الزعتر بلبنان». وأضاف: «أنا ضد إسرائيل لذلك أؤيد الثورة».

مخيم العائدين

ويبدو المشهد في مخيم العائدين في حمص الذي يبلغ عدد سكانها حوالي 15 ألفاً أكثر ثورية وتلاحماً بين الشعبين، بفعل صدارة حمص للمشهد الثوري. ويصف حامد، وهو من المخيم نزح إلى دمشق، أن مخيم العائدين هي «الرئة التي تتنفس من خلالها الأحياء المنكوبة». وكان يعمل حامد على تهريب المواد الغذائية إلى أحياء الثورة في حمص قبل نزوحه، ويقول إن «بعض الشباب ضحوا بأرواحهم لإحضار بعض المواد الغذائية المفقودة في حمص من دمشق.. قتل فلسطينيان في محاولة إيصال المساعدات إلى المحاصرين في بابا عمرو».

أما مخيم اليرموك بدمشق وهو من أكبر المخيمات الفلسطينية ، ويجاور أكبر معقلين للثورة في دمشق وهما حيا الميدان والحجر الأسود، يعيش انتفاضة صامتة وسط تعتيم إعلامي، تبدأ بإعلان الإضرابات العامة مع المناطق المجاورة، وتصل إلى استقبال العائلات النازحة وتنتهي بالخروج في التظاهرات الليلية، ولا تأبه بتطويق مليشيات أحمد جبريل وعناصر النظام قبضته على المنطقة. لكنها تتحرك بحذر شديد كما يقول حسن وهو من المشاركين في الثورة منذ انطلاقتها، ومقيم في مخيم اليرموك: «أغلبية الفلسطينيين مع الثورة وإسقاط النظام، لكنهم يرغبون بإبقاء المخيمات بعيدة عن النقاط الساخنة والمظاهرات العارمة.. نخشى من الطرد والتهجير مرة أخرى.. وذقناه كفاية طيلة عقود». نشاط

مع ارتفاع النشاط المعارض ميدانياً داخل المخيمات، سارع النشطاء بإنشاء صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي «الفيسبوك» مخصصة لكل مخيم، وتنشر كل جديد فيما يخص النشاط المعارض في المخيمات، بالإضافة إلى صفحة لـ«قائمة العار الفلسطينية» التي اتخذ أصحابها موقفاً سلبياً حيال الثورة من الفنانين ورجال دين وسياسة. كما أن فصائل فلسطينية صغيرة العدد تشارك أجهزة الأمن في مراقبة الفلسطينيين داخل المخيمات وتعمل كمرشد للدوريات الأمنية التي تقتحم المخيمات بين حين وآخر للقبض على موالين للثورة.