يكاد يجمع المتابعون للأزمة السورية في واشنطن بأنه ما لم تحصل معجزة، صارت مهمة المبعوث الأممي العربي المشترك كوفي أنان محكومة بالانهيار التام المحتوم. كما صار صاحبها على قاب قوسين أو أدنى من إعلان فشله ونفض يده من الوساطة. يتنقل بين عاصمة وأخرى، حاملاً آخر المقترحات والتعديلات بعد تدوير زواياها، لكن من غير جدوى. العواصم التي تمسك بمفاتيح المخرج أو بالقدرة على تسهيل فتح بابه، تمارس اللعب بسوريا.
تكتفي بالتراشق بالاتهامات ورمي الكرة في الملعب المقابل لحجب دورها في إطالة عمر الأزمة السورية. إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تلوك منذ أسابيع نفس خطاب الإدانة والتضامن مع تكرار الدعم لخطة انان، من دون أن تنسى من وقت إلى آخر، توجيه إصبع الملامة نحو الواقفين في طريق القرار الدولي الملزم.
وفجأة تنتقل بسرعة من خطاب اللوم هذا إلى لغة التنويه بمرونة روسية جديدة تبشر بحلحلة قريبة. لكن هذا الموعود الذي تراهن عليه واشنطن، سرعان ما يتبخر بعد تصويب من وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أو نفي من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لأي تغيير في موقف موسكو.
عزلة أوباما
الرئيس أوباما شبه معزول عن الملف السوري. مضت أسابيع من غير ملاحظة له، سوى عابرة إن وجدت، بهذا الخصوص. ابتعاد ينطق بمضمونه. الأمر متروك لوزارة الخارجية. وعند اللزوم للناطق الرسمي في البيت الأبيض.
وعلى المستويين، لا تخرج التصريحات عن الخط المألوف إياه. مراوحة أثارت انتقادات لاذعة، ليس فقط من بعض أقطاب الكونغرس الجمهوريين، الذين ربما غلبت الحسابات الانتخابية على ردودهم أكثر من حرصهم الصافي على سوريا وشعبها. بل أيضاً من جانب دوائر وجهات نافذة وخاصة إعلامية. ومنها من هو محسوب على خندق الرئيس.
وازدادت حدّة التبرم من سياسة إدارة أوباما السورية عندما بدأ يتضح أنها وضعت كل بيضها في سلة موسكو. وفي سياق المآخذ هذه، تردد قبل أيام، نقلا عن مصادر تركية، أن واشنطن رفضت خلال اجتماع حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي حصل بناء على طلب أنقرة، عرضاً تركياً بإقامة منطقة عازلة على الحدود مع سوريا.
تصفية حسابات
أما موسكو فهي تمارس اللعبة بزيّ مختلف. تسلّحت بموقفها المفهوم من حيث المبدأ والمفهوم اعتباراته الجيوسياسية في المنطقة، فضلاً عن المصالح الروسية في سوريا وفي استمرار العلاقات التاريخية معها. التقطت الفرصة لتصفية حسابات مع واشنطن.
وهذا ليس بجديد في مباريات الكبار. لكن الرقص الذي تمارسه حول المفردات، خاصة بشأن المرحلة الانتقالية، ما عاد قادراً على تغطية حقيقة سياسة الكرملين التي باتت تبدو أقرب إلى المتاجرة بسوريا ومصيرها.
فموسكو لا بدّ وانها تدرك خطر المنزلق الذي يندفع إليه الوضع السوري بسرعة متزايدة والذي صار يهدد ليس فقط بانفجار الحرب الأهلية على مداها، بل بات يهدّد وحدة سوريا. ومع ذلك لم تتزحزح بعد. الإشارات توالت من كل صوب في هذا الاتجاه.
وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أتت صراحة ولأول مرة على هذه السيرة، عندما قالت بأن «الحفاظ على الدولة السورية» يقتضي وقف العنف. كوفي أنان أشار هو الآخر إلى هذا الخطر وإن مواربة، عندما أعطى طابع العجلة لمحاولات التسوية السياسية.
وفد المعارضة الديمقراطية إلى موسكو، المح هو الآخر ضمناً، على لسان ميشال كيلو، عن هذا الاحتمال بعد لقائه أول من أمس مع الوزير لافروف.
وثمة في واشنطن من قرأ انشقاق العميد مناف طلاس وخروجه من سوريا، من هذه الزاوية. فالرجل بحكم علاقته الحميمة وموقعه الحساس في النظام، عدا عن علاقة والده الجنرال مصطفى طلاس المماثلة وأكثر؛ ما كان ليترك في هذه اللحظة الحرجة وربما الفاصلة للأزمة لولا أنه «شمّ» رائحة تطورات قادمة، بالغة الخطورة على مصير سوريا كبلد ودولة.
قد يكون في ذلك مبالغة. لكن مغادرته جاءت وسط تزايد المخاوف غير المسبوقة في هذا الخصوص.
مواصلة الحل الشمشوني وألاعيب الكبار وحساباتهم، وصفة تدعو إلى القلق العميق على سوريا وحتماً جوارها.