قبل أن يحسم الرئيس المصري محمد مرسي زيارته إلى إيران لحضور قمة عدم الانحياز المقرر لها في 29 أغسطس المقبل بدعوة رسمية من الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، استبق العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز انعقاد تلك القمة، داعيا إياه إلى زيارة المملكة غداً الأربعاء، ليوافق مرسي، فاتحاً باب التساؤلات حول ما يمكن تسميته التنافس السعودي والإيراني لاستقطاب القيادة المصرية الجديدة.
كان لافتًا قبل ثورة 25 يناير مدى الجمود في العلاقة المصرية الإيرانية ولم يكن خافيًا على أحد مدى التقارب المصري السعودي في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، ولو أن ذلك كان من منطلق الروابط التاريخية والعقائدية للبلدين؟ وسياسيًا صنّف ذلك حينئذ ضمن محور «الاعتدال العربي»، في الوقت الذي توصف فيه طهران بأنها أحد محاور «الممانعة».
العدو المشترك
ويرى مراقبون أن طهران والرياض تسعيان إلى استقطاب الزعامة المصرية الجديدة. فالسعودية تعبر من منطلق العلاقات التاريخية ومنبع الدين الإسلامي في مكة والمدينة اللتين يهفو إليهما المسلمون في مصر، إضافة إلى العلاقات الاقتصادية والروابط الاجتماعية والمصالح المشتركة.
وتأتي إيران على الجانب الآخر لتحاول إعادة العلاقة مع مصر من منظور براغماتي رغم نظرتها المستقبلية الطامحة من أجل تصدير النموذج الإيراني إلى مصر التي تعتبرها فاطمية الهوى، رغم أن الفكر المخالف ضارب في القدم لدى غالبية المصريين. إلا أن طهران تسعى إلى إغراء القاهرة الجديدة بحليف قوي تمهيدًا لتطويق قوى إقليمية منافسة، وضرب مسارات سياسية أخرى في المنطقة.ويشير مراقبون إلى أن المعضلة الرئيسية ليست في مواجهة إسرائيل والتدخلات الأميركية أكثر من كون الطرفين يبعدان مسافة كبيرة أيضًا عن بعضهما البعض.
ومن أسباب تلك الفجوة هو ما يتعلق بدعم إيران لنظام بشار الأسد الذي يقوم بقتل شعبه، ومن بعيد المساعدة في احتلال واشنطن لأفغانستان والتغلب على حركة طالبان رغم العداوة الظاهرة بين طهران وواشنطن.
الخط الرفيع
ويوضحون أن التقارب المصري مع إيران عمليا سيكون حساسًا لكنه ضروري بشرط أن يكون في حدوده المقبولة خليجيًا بل ومصريا وهو ما يمكن التعبير عنه بمصطلح «الخط الرفيع». فهناك ملفات خليجية- إيرانية عالقة وكثيرة، وهناك اتهامات لها بالتدخل في شؤون مملكة البحرين وزعزعة الاستقرار بها، فضلا عن العلاقة المتوترة بينها وبين الرياض.
وهذا بالفعل ما أفصحت عنه المملكة العربية السعودية على لسان سفيرها بالقاهرة أحمد قطان عقب لقائه مرسي، حينما صرح بأن «مصر والسعودية لن تسمحا بتجاوز الخطوط الحمراء فيما يخص أمن الخليج ومصر»، ردًا على سؤال حول ما إذا كان لقاؤه مع مرسي تطرق إلى مسألة سعي إيران للتواجد بقوة في المنطقة العربية والخليج العربي وسعيها الحثيث للتقرب من مصر.
تقليل المخاوف
وبرؤية مغايرة نسبيًا، يقلل مراقبون من تخوفات التقارب المصري الإيراني، وخاصة عندما يشير البعض إلى وجود علاقات تجارية واتصالات سياسية رفيعة المستوى بين بعض دول مجلس التعاون الخليجي وإيران وعدم رغبة دول الخليج في الصدام الخشن رغم التخوفات والهواجس من المشروع الإيراني النووي.ويعكس قطان في تصريحات الجوانب المشتركة لمصر والسعودية عندما قال إن «خطاب الرئيس المصري في اجتماع المعارضة السورية يظهر موقف مصر حيال الأزمة السورية».
موضحًا أن الأزمة السورية ستشهد خطوات جادة خلال الفترة المقبلة، على الرغم من أن بعض الدول تماطل في الشأن السوري، وهو ما يمكن تفسيره على إعطاء مصر والسعودية الثورة السورية دفعة جديدة لإقصاء الأسد من سدة السلطة في سوريا، وهو بالتبعية ما يقلق الحليف الأول لبشار الأسد الذي هو إيران.
في المقابل، هناك شؤون محل جدال بين مصر والسعودية من بينها ما يتعلق بقضايا المواطنين المصريين العاملين في المملكة، وهو ما علق عليه السفير السعودي بالقاهرة مستبقًا الحديث عن ذلك الملف على مستوى قمة «مرسي وعبد الله بن عبدالعزيز» حيث قال قطان: «نظام الكفيل يضمن حق صاحب العمل والعامل، ونحن حريصون على ضمان حقوق الطرفين».ورغم ذلك لا يستبعد المعنيون بالشأن المصري - السعودي وجود انفراجة بين البلدين في بعض القضايا العالقة في إطار التفاهمات. أما العلاقة المصرية - الإيرانية فهي علاقة مجزئة ما بين مصالح مشتركة وعلاقة صفرية.
قضايا قانونية
تبقى قضية ربما يعتبرها البعض قانونية، لكن أحداث الثورة المصرية جعلت منها شأنًا سياسيًا وحساسًا تهم الرأي العام وترتدي فيها الحقيقة ثياب الغموض، وهي المتعلقة بأحمد الجيزاوي. وقبل لقاء مرسي وعبد الله، المرتقب صرح السفير السعودي في القاهرة أن «هذه القضية منظورة لدى القضاء السعودي، ولا بد أن يتم التعامل معها وفقاً للقانون»، لافتًا إلى أن الإعلام المصري تبنى صورة غير حقيقية لقضية الجيزاوي ليعمم الموضوع برمته في دائرته الأوسع والأشمل. وأضاف:«كل المحتجزين في السعودية ليسوا معتقلين سياسيين، وإنما متهمون بتهم إرهابية ولن تقبل المملكة أن يعبث بأمنها كما لا تقبل مصر أيضًا العبث بأمنها».
