مثّل انتصار الليبيراليين في انتخابات المؤتمر الوطني العام الليبي حدثا مهما في الساحة التونسية، ومن المنتظر أن يكون له تأثير كبير على مستقبل التوازنات السياسية في تونس، حيث يعتقد المراقبون أن هزيمة الاخوان المسلمين في ليبيا كانت مفاجأة غير سارة لحركة النهضة الاسلامية التي كانت تنتظر أن تسفر الانتخابات الليبية عن انتصار الاسلاميين، بما يحقق امتداداً يشمل قطاع غزة ومصر وليبيا وتونس والمغرب في مرحلة لاحقة.
غير أن انتصار الليبيراليين في ليبيا جاء ليعزل «النهضة» عن الحالة المصرية من الناحية الجغرافية على الأقل وليدعم انتصار حزب جبهة التحرير الجزائرية في تحقيق توازن بين الليبيراليين والاسلاميين في منطقة المغرب العربي، حيث يقود الاسلاميون حكومتي تونس والمغرب والليبراليون حكومتي ليبيا والجزائر.
خلفية قبلية
ويرى المراقبون أن لجبريل القدرة على تجاوز آلام الماضي ورتق الشرخ الاجتماعي العميق الذي أحدثته الحرب. والى جانب توجهه السياسي الحداثي، يمكن الإشارة إلى سبب مهم ساهم في فوز تحالف القوى الوطنية الليبية، وهو انتماء زعيمه محمود جبريل الى قبيلة «ورفلّة» كبرى القبائل الليبية، حيث يبلغ تعداد أفرادها قرابة مليون و 500 ألف نسمة موزعين على كافة المناطق الليبية إلى جانب عاصمتهم مدينة بني وليد، كما أن قبيلة ورفلّة ذات تحالفات واسعة مع قبائل ليبية أخرى من بينها ترهونة وورشفانة والمقارحة والقذاذفة وقبائل المنطقة الغربية، وقد حافظت على ولائها للنظام السابق، مما جعل مدينة بني وليد آخر مدينة يدخلها الثوار بعد أن دفعت أعدادا مهمة من أرواح أبنائها. ويطمح أبناء قبيلة ورفلة الى مصالحة وطنية حقيقية يرون الدكتور محمود جبريل قادرا على تحقيقها.
تحول جوهري
وترى الاحزاب الليبرالية والحداثية والعلمانية واليسارية التونسية أن انتصار تحالف القوى الوطنية بزعامة محمود جبريل يمثّل تحولاً جوهرياً في التوجهات السياسية العامة بالمنطقة، والتي كانت تصب في اتجاه هيمنة الإسلاميين، وخاصة من الأحزاب المتفرعة عن جماعة الاخوان المسلمين على الحكم في المنطقة، ومنها حركة النهضة التونسية التي كان قادتها وأنصارها ينتظرون فوزاً ساحقاً لنظرائهم الليبيين، وقبل ذلك انتظروا انتصار الاسلاميين في الجزائر، ولكن خاب أملهم في كلتا الحالتين.
ويعتقد المراقبون أن الاسلاميين في تونس فقدوا مساحة للتحرك في ليبيا، بعد أن كانوا ينتظرون منها تحالفاً تامّاً وتعاوناً في جميع الملفات الثنائية والاقليمية والدولية وسعت حركة النهضة إلى تقديم دعهما للأحزاب الاسلامية في ليبيا عندما بادرت بتسليم البغدادي المحمودي آخر رئيس وزراء في نظام معمر القذافي الى طرابلس، ومن خلال الوفود المتبادلة والاتصالات المستمرة والتنسيق المتواصل بين قيادات الحركات الاسلامية في البلدين التي تعمل تحت غطاء إقليمي ودولي واحد، خصوصاً وأن انتصار الليبيراليين في ليبيا سيدخل تحوّلات مهمة على خارطة التحالفات الاستراتيجية في المنطقة.
مصالحة وطنية
خلال الأشهر الماضية تابع الليبيون التجربة التونسية عن قرب، وأغلبهم يطمح إلى مشروع ليبيرالي قريب من النموذج التونسي الذي رسخته دولة الاستقلال، تضاف إليه الديمقراطية التي كانت تونس تفتقد إليها.
كما يطمح الليبيون إلى تحقيق المصالحة الشاملة في بلادهم بعد حرب أدت إلى سقوط أكثر من 60 ألف قتيل و 10 آلاف مفقود وتهجير مليون ونصف المليون ليبي إلى الخارج من بينهم 530 ألف ليبي يعيشون في تونس وينتظرون تحقيق المصالحة في بلادهم للعودة إليها.