يبدو أن أقوال تركيا أشد من أفعالها.. إسأل السوريين الذين أسقطوا طائرة استطلاع تركية يوم 22 يونيو الماضي ولم يعاقبوا على فعلتهم. شدد الزعماء الأتراك من خطابهم.. وأرسلوا صواريخ مضادة للطائرات إلى الحدود ومقاتلات «اف 16» مرارا عندما كانت الطائرات الهليكوبتر السورية تحلق على مسافة قريبة للغاية. ونالت تركيا تأييدا من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي.. وهذا كل ما حدث.
إسأل الإسرائيليين الذين قتلوا تسعة من النشطاء الأتراك المؤيدين للفلسطينيين على متن السفينة «مافي مرمرة» التي كانت متجهة إلى غزة لتقديم المساعدات عام 2010 وأفلتوا بفعلتهم. وهددت تركيا حينها بإرسال بحريتها لحماية المزيد من سفن المساعدات المتجهة لغزة، لكنها لم تنفذ تهديدها قط.
والخطورة بالنسبة لتركيا هي أن الضراوة التي أبدتها سواء في قضية السفينة «مافي مرمرة» أو في إسقاط سوريا لطائرة الاستطلاع بدأت تبدو وكأنها بلا أنياب.
واحتضنت تركيا المعارضة السورية ووفرت الملاذ لمقاتلي الجيش السوري الحر وكذلك اللاجئين السوريين، بل انها تحدثت عن إقامة شكل من أشكال المنطقة العازلة داخل سوريا في حالة تزايد تدفق اللاجئين السوريين. لكن أنقرة حذرت من أنها لن تقدم على أي عمل عسكري بدون حلف شمال الأطلسي أو دعم من مجلس الأمن. ويشعر البعض بالقلق من أن أردوغان، الذي انسحب من مؤتمر في دافوس كان يشترك فيه مع شمعون بيريس عام 2009 بعد حرب غزة قائلا إن الرئيس الاسرائيلي يعرف «كيف يقتل»، ميال لإضافة المزيد من الغضب لمــنهج السياسة الخارجية التقليدية لتركيا، الذي يمزج بين المنهج العملي والمبادئ.
وأفادت رئيسة تحرير مكتب صحيفة «طرف» في انقرة لالي كمال: «كان من الممكن ان تتبع تركيا سياسة محسوبة اكثر حذرا ازاء سوريا.. السياسة التركية الصريحة استفزت نظام الأسد. ارتكبت تركيا خطأ الظن أن الأسد سيرحل قريبا». وترى أن تركيا لم يكن يتعين عليها أن تدفع بطائرات قرب بلد «غير متعقل» مثل سوريا على شفا حرب أهلية.
وقال وزير الخارجية التركي السابق ايلتر تركمان إن بلاده لم تتبع سياسة حكيمة عندما تحولت سريعا من صداقة الأسد إلى أشد منتقديه، رافضا فكرة أن دعم مقاتلي المعارضة السورية ربما يؤتي بثمار لاحقة لتركيا. وأردف: «لا أعتقد أن الدول تشعر بالامتنان أبدا»، متوقعا أن أي حكومة مستقبلية بعد الأسد ستكون قومية بتطرف، بل ربما تحيي مشكلات قديمة مع تركيا مثل النزاع على إقليم هاتاي الذي تطالب به سوريا.
وقال تركمان: «ظللنا أسرى لخطابنا»، مضيفا أن أي تدخل عسكري تركي من جانب واحد في سوريا سيكون حماقة، وقال: «يمكن الدخول لكن كيف يمكن الخروج؟». وعلى الرغم من كل القوة العسكرية والاقتصادية فإن الأتراك يجدون انفسهم الآن بلا نفوذ لدى دمشق. وقال المحلل من المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات هيو بوب: «يمكن أن يبيعوا بضائع. كثير من سكان الشرق الأوسط لديهم بضائع تركية في منازلهم، لكن قدرتهم على بسط النفوذ في تلك الدول بالشرق الأوسط، التي لا تعمل بكفاءة، محدودة للغاية»