بالرغم من تلاحق اللقاءات المتنقلة بين العواصم المعنية بشأن الأزمة السورية وبالرغم من التفاؤل وإن الحذر، بالمساعي المكثفة لوضع صيغة المرحلة الانتقالية موضع التنفيذ؛ يتوالى الهمس والتسريب في واشنطن حول عزم المبعوث الأممي العربي كوفي انان على الاستقالة في حال تعذّر ترجمة هذه الصيغة. بل ان بعض الدوائر المحافظة تحرّضه على اتخاذ هذه الخطوة.

خطة ميتة

خطته الأولى ذات النقاط الست، ولدت ميتة. «لجنة الاتصال» التي اقترح تكوينها كبديل، لم تقو، خلال اجتماع جنيف الأخير، على تحقيق أكثر من توافق على الإطار العام لمخرج سياسي. فسحة الوقت بدأت تضيق أمامه. وتردّد مؤخراً أن مجلس الأمن يميل إلى تمديد مهمته بعد 20 الجاري، لأن ليس هناك خيار آخر. لكن الرجل، حسب معلومات مطلعة، ليس في وارد البقاء في دور من يتولّى تسويق عملية شراء الوقت التي يمارسها اللاعبون الكبار في الأزمة السورية. ب

الإضافة إلى ذلك، ثمة من يرى أن التلويح باستقالة أنان، جرى بالتنسيق مع واشنطن والأوروبيين؛ كورقة ضغط على موسكو لحملها على تليين موقفها والانضمام إلى خندق العمل لمرحلة ما بعد الأسد. فمشروع المخرج السياسي هو مشروعها بالأساس وإن كان يتلاقى مع سياسة اوباما في الوقت الراهن. مغادرة أنان تضعها في موقف حرج وبالتالي قد تستدرك الأمر وتتزحزح عن موقفها المعروف بشأن المرحلة الانتقالية ومستلزماتها.

حشد دولي

بعد أقل من أسبوعين تنتهي فترة الـ90 يوماً الممنوحة للمبعوث الدولي العربي كوفي أنان لتسوية الأزمة السورية. ضغط هذا الاستحقاق انعكس بتلاحق اللقاءات الدولية والإقليمية المتنقلة بين العواصم المعنية. مؤتمر «أصدقاء سوريا» في باريس.

حرص المعنيون به على حشد أوسع مشاركة دولية به ولو بغياب موسكو وبكين. وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون تحدثت، قبل مغادرتها إلى باريس، بنبرة واثقة وإن حفظت خط الرجعة بالقول إنه «ليس هناك ضمان لنجاحنا» بخصوص الانتقالية. ومن مؤشرات تفاؤلها أن «الروس التزموا بمفاتحة الأسد بخيار المرحلة الانتقالية». ولو من غير وعد بحمله على القبول. وهنا مكمن العقدة. واشنطن تصرّ على استبعاد الرئيس الأسد. «إذا كان هناك من عملية انتقالية فلن يكون الأسد جزءا منها» على ما قالته الوزيرة كلينتون عشية لقاء المعارضة في القاهرة.

تفسير روسي

موسكو تتمسك بتفسيرها للانتقالية بالقول إن استبعاد الأسد ليس شرطاً للمضي بها. وفي حين يرى فريق واسع من المحللين والمختصين في مراكز الابحاث والدراسات بواشنطن، بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «المتوجس إلى حدّ بعيد» من سياسات واشنطن وتعاملها مع «الربيع العربي» عموماً والحالة السورية بخاصة، لا يبدو حتى الآن على استعداد للتعاون مع واشنطن الذي يخشى من «محاولة خطفها» للساحة السورية. في المقابل، ترى دوائر أميركية أخرى أن موسكو بالرغم من تشدّدها، لن تقوى على الاستمرار في موقفها، في ضوء تصاعد العنف وأكلافه البشرية والمادية المتزايدة، كما في ضوء تزايد الانشقاقات العسكرية والتي قد تهدّد بالأدهى لو استمرت على هذا المنوال.

وهذه مسألة شديدة الحساسية بالنسبة لموسكو، المشرفة من زمان على تسليح وتدريب الجيش السوري. والمحرج أكثر لها أن عمليات الانشقاق تجري وسط ترحيب أميركي كبير بها. بل وسط تشجيع وتحريض واشنطن على المزيد منها. فبدا وكأنها تحصل، في جانب منها على الأقل، من باب التجاوب مع الرغبة الأميركية.

يشي خطاب الإدارة الأميركية أنها تزمع التركيز على التقريب بين أطراف المعارضة، كما على مواصلة غربلة الأسماء المرشحة لتركيبة «الهيئة السياسية» المزمع تسليمها زمام العملية الانتقالية. إذا سارت الأمور في هذا الاتجاه، يكون الاختراق بات على مرمى حجر. بخلافه تنفتح الأزمة على المجهول المخيف والطويل الأمد. خاصة إذا سقطت الوساطة الدولية باستقالة أنان.