منذ تركز حملة القمع الدموي على مدينة حمص قبل نحو نصف عام مضت العائلات الحمصية النازحة في رحلة شاقة وخطيرة إلى مناطق وصفت حينها بأنها شبه هادئة بريف دمشق على أمل المكوث فيها والابتعاد عن أزيز أصوات الرصاص وقذائف قوات النظام، لكن لم يخطر ببالها ولو لحظة واحدة قدوم يوم ما وتجتمع فيها معاناة النازح «الضيف» مع «المضيف»، وينتقلوا سوية في رحلة جديدة فراراً من جحيم الموت وبحثاً عن ملجأ آمن جديد.
فمنذ أشهر تدفقت وبدفعات متوالية مجموعة من العائلات النازحة من حمص وريفها إلى مدينتي قدسيا والهامة بريف دمشق بالتنسيق مع لجان التنسيق المحلية وبعض المرجعيات الاجتماعية، ووصلت أعدادها إلى 1500 عائلة حسب لجان التنسيق. وكانت مدينتا قدسيا والهامة اللتان تبعدان عن دمشق بمسافة 8 كيلو متراً من الطرف الشمال الغربي تشهدان حركة احتجاجية مناوئة للنظام، وتقابلها قوات النظام بحملة من المداهمات والاعتقالات وأحياناً استعمال السلاح عمداً بغية سقوط القتلى من المعارضين والناشطين، لكن تلك الممارسات بقيت محصورة، ولم تتطور إلى مستويات عنفية أكثر دموية، تهدد مصير جميع السكان.
تكثيف القصف
ولكن في مطلع الأسبوع الماضي جاء الحدث الأبرز على الصعيد الأمني والعسكري، حينما كثفت قوات «الحرس الجمهوري» من قصفها ولأيام متواصلة لقدسيا والهامة معاً بشتى أنواع الأسلحة الثقيلة، لتسفر هذه العمليات، كما العادة عن حركة نزوح جماعي صوب دمشق وأريافها، وبها انحصرت خيارات السكان المحليين ومعها العائلات الحمصية بالنزوح عنوة دون وجهة معروفة.
وبحسب رواية الأهالي، فمنهم من قصدوا أقرباءهم في منطقتي الميدان والقيمرية داخل أحياء دمشق القديمة، ومنهم من ميسوري الحال استطاعوا تأمين مأوى في منازل مستأجرة، والجزء الآخر تكفلته اللجان المحلية وبعض التجار، في حين أرسلت العائلات الحمصية لتمكث عند بعض الأسر الفقيرة ريثما تؤمن لهم مساكن مستقلة.
افتقار للأساسيات
ويقول عباس عضو في تنسيقية «دمر- قدسيا الهامة» وأشرف بنفسه على إجلاء الناس تحت قذائف النظام في قدسيا: «نفتقر إلى البيوت والملاجئ لإيواء النازحين من أهل حمص، جاءت الحملة العسكرية مباغتة، لم نأخذ احتياطاتنا، أجبرنا على حشد عشرات العائلات في ملاجئ تحت الأرض في منطقة عسال الورد بريف دمشق».
ويضيف عباس الذي نزح هو أيضاً من ويلات القصف الشديد: «معظم العائلات النازحة الحمصية توجهت صوب المناطق الغربية بريف دمشق، واضطرت للمكوث في بيوت مهترئة الجدران والأسقف وغير صالحة للسكن في الظروف العادية، وفوق ذلك نفدت منهم المواد الغذائية والطبية بعدما انقطعت صلتهم مع اللجان التي كانت توفر لهم احتياجاتهم الشهرية».
وهذا النوع من البيوت يتواجد على هامش منطقة الصبورة بريف دمشق والتي تبعد 20 كلم عن العاصمة دمشق من الطرف الغربي، لجأت بعض العائلات الحمصية التي فرت من الهامة بالتحديد إلى هذه المنطقة، حيث منازلها المهترئة مصنوعة من الصفيح والتوتياء، وتفتقر إلى أبسط مقومات الحياة من الماء والكهرباء والمواصلات.
مأساة دوما
إذا كانت الحال هكذا في الطرف الشمالي الغربي من دمشق، فإن مشهد النزوح الجماعي في الغوطة الشرقية أكثر مأساوية، وتحديداً في مدينة دوما التي تحولت أحياؤها إلى أنقاض بفعل ضربات قوات النظام، فقد نزح 95 في المئة من سكانها حسب لجان التنسيق المحلية، وهنا اختلطت مأساة النازحين «الحماصنة» الذين استقروا في دوما كما غيرها من المناطق الأخرى، ونزحوا معاً إلى الأحياء المجاورة التي كانت تتعرض بدورها إلى حملة تطهيرية غير مسبوقة.
ويروي صلاح الحمصي الذي نزح بعائلته مع مجموعة العائلات من أهل دوما إلى زملكا بريف دمشق «هربنا إلى أشقائنا في زملكا منذ أسبوع بمساعدة التنسيقيات المحلية، ولم تمض ثلاثة أيام حتى صدمنا بحدوث مجزرة زملكا المروعة التي راح ضحيتها أكثر من 100 قتيل في تشييع جنازة لأحد الضحايا».
ويضيف صلاح وهو من سكان حي الخالدية بحمص «يريدون إبادة السكان والنازحين، وتهديم البيوت فوق رؤوسهم، يتحركون بدافع الانتقام ضد كل من رفع صوته مطالباً بالحرية، والموت يلاحقنا أينما ذهبنا، والمنظمات الإنسانية لا أثر لها في سوريا».
اختفاء التواصل
يصور أبو سعود وهو نازح من حمص ولديه أربعة أطفال صغار مدى قساوة ظروف عيشهم إذ يقول: «انقطعت صلتنا مع التنسيقيات، ووعدوا بتأمين بيوت لنا، لكنهم اختفوا لا ندري ماذا حل بهم، هل هم على قيد الحياة أما في سجون النظام».
ويضيف أبو عامر وهو نازح آخر من حمص القول إن «بعض الفقراء في هذا السكن العشوائي تطوعوا لاستضافة أكثر من عائلة في منازلهم، لكن هم أنفسهم بالكاد يملكون قوت يومهم، نعاني من نقص حاد في الغذاء، وانقطاع الكهرباء يومياً أكثر من 7 ساعات وسط درجة حرارة عالية، تأثرت صحة الأطفال الصغار، وأصيب البعض منهم بأمراض مزمنة».
وتجدر الإشارة إلى أن المنظمات الإنسانية والصليب الأحمر السوري عاجزة عن إيصال المساعدات إلى النازحين والمنكوبين، بسبب رفض السلطات السورية التعاون مع اللجان الإغاثية والإنسانية واشتراط تمرير أي مساعدة عن طريق جهات حكومية، الأمر الذي فسره المراقبون على أنه خطوة مبيتة تهدف إلى تضييق الخناق على النازحين والمنكوبين، والزج بهم في أقبية السجون.