لا يجادل إثنان بان لقاء جنيف الدولي أجاز، عملياً، تمديد أمد النزيف الدموي السوري؛ بحكم أنه لم يتوافق على مخرج سياسي للأزمة. فهذا الأخير جرى تأجيله. لم تنضج طبخته بعد. وإن كان هناك تفاهم بل تلاقٍ على خطوطه العريضة. وبذلك عاد اللاعبون إلى ملعب البدائل، لتحسين شروطهم. إما بالتفاهم الضمني وإما بالتنافس وشدّ الحبال.
إدارة أوباما بدت أو أرادت أن تبدو وكأنها خرجت كطرف رابح من جولة جنيف. خيار المشروع الانتقالي، تسبب غيرها في إسقاطه. أو ترحيله. وظّفت ذلك لتعود، من دون خسارة وقت، إلى الأزمة من بوابة أخرى قد تؤدي وفق حساباتها؛ إلى خلق واقع جديد يجري تعويمه بحيث يفرض نفسه وبالتالي يعزّز الالتفاف الدولي من جديد حول خيار المرحلة الانتقالية كما تراه أي من دون الأسد ولفيفه المقرّب والعمل عبر الآليات الدولية على ترجمته.
في هذا السياق، عاد كافة السيناريوهات إلى التداول. في أقله على الورق. من الشريط العازل، إلى تصعيد التنسيق الجاري لرفع وتيرة تسليح بعض المعارضة، مروراً بالشريط العازل والحظر الجوي وانتهاء بالتمهيد للاعتراف بمحاور سوري كنقطة ارتكاز لتغيير المشهد ومعطياته واستطراداً شروط التعامل معه. ويبدو أن خيار إدارة اوباما قد رسا، في الوقت الحاضر، على هذا الأخير. تصريحات المسئولين وتفسيراتها المتداولة، فضلاً عن التحركات الفورية التي بدأتها واشنطن، تنطق كلها بهذا التوجه. «سوف يبدأ المبعوث انان اتصالاته مع الأطراف السورية في محاولة لانتقاء المرشحين القادرين على تطبيق خطته الانتقالية. وسيكون هؤلاء بمثابة جسم حكومي انتقالي شرعي يتمتع بكافة الصلاحيات المتوفرة للدول»، تقول الناطقة الرسمية فكتوريا نولاند. وزادت في التوضيح من خلال جوابها على سؤال حول ما إذا كانت واشنطن في وارد تسليم مقر البعثة السورية في واشنطن إلى مثل هذه الهيئة الانتقالية، من خلال قولها بأنه وإن كان من السابق لأوانه الحديث عن هذا الاحتمال " إلاّ أن مثل هذا السيناريو حصل في امكنة أخرى. فعندما كان هناك وضع انتقالي في المنطقة مسلّح بشرعيته والمقصود الحالة الليبية عندئذ قمنا بالتعامل معه ". والمعروف أن الإدارة قامت بتسليم السفارة الليبية في واشنطن للمعارضة، غداة الاعتراف بها كمحاور ليبي شرعي وحيد. مؤشر على انتقال واشنطن إلى درجة عالية من التصعيد الدبلوماسي، لم يسبق أن صدر عن واشنطن بوضوحه منذ اندلاع الانتفاضة السورية. عزّزه ذهاب السفير الأميركي لدى سوريا روبرت فورد، المسحوب من دمشق منذ عدة أشهر، إلى القاهرة لحضور ومتابعة مؤتمر المعارضة السورية هناك. والمعلوم أنه يشارك في غربلة الأسماء السورية المرشحة لتولّي مواقع في التركيبة الحكومية الانتقالية البديلة؛ المتوقع أن لا يطول الإعلان عن ولادتها. خيارات واشنطن في هذا الظرف الانتخابي والمالي الصعب، شحيحة. فضلاً عن ان المناخ الداخلي غير متقبل، بعد العراق وأفغانستان؛ لأي عمل عسكري في الخارج. وبذلك فإن عزوف أوباما عن أي دور مباشر، يحظى بتأييد غالبية الأميركيين. لكن اعتبارات الزعامة الدولية ومستلزماتها، عدا عن حسابات واشنطن الاستراتيجية في المنطقة؛ فرضت التواجد الأميركي على ساحة الأزمة السورية. حتى ولو من زاوية شراء الوقت، في هذه الفترة الدقيقة. لاسيما وأن القوى المحافظة، في الكونغرس وبعض مطابخ الرأي الأميركية؛ تطارد الرئيس أوباما بزعم أنه تخلى بعزوفه هذا، عن الدور القيادي العالمي لأميركا، ومهما كانت الاعتبارات فإن الدفع بهذا الاتجاه والذي يبدو أنه يحصل بوتيرة متسارعة في ضوء الانسداد السياسي، يدخل الأزمة في طور جديد من التعقيد والتصعيد الخطيرين، بحيث يشتدّ النزيف الغارقة فيه سوريا ويمتدّ عمره.