يحتفل الجزائريون بالذكرى 50 لاستقلالهم عن فرنسا في أجواء من المرارة ناجمة من ديموقراطية مقيدة وتنمية اقتصادية تكبحها تبعية شديدة للمحروقات، في وقت يشير المراقبون إلى أن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة بادر خلال العام الجاري بإجراء إصلاحات، استجابة لسلسلة من الاضطرابات الدامية وقعت قبل عام ونصف، وإضراب في عدد من المؤسسات في سياق الربيع العربي الذي أطاح بنظامي تونس وليبيا الجارتين.
قتامة واقع
ويشير المراقبون إلى أن بوتفليقة قال قبل انتخابات العاشر من مايو الماضي، إنه «لا يمكن للجزائر أن تكتفي اليوم بالبقاء في المؤخرة إزاء التقدم الكبير الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي، ولا أن تترك قطار التحولات السريعة التي يشهدها العالم يمر في مجالات الممارسة الديموقراطية والحريات الفردية والجماعية وحقوق الانسان»، بيد أنه وبعد مرور 50 عاماً من رحيل الفرنسيين بعد 132 سنة من الاحتلال، يبدو أن «الوضع قاتم خصوصاً بالنسبة لمن لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة والذين يمثلون سبعين في المئة من سكان الجزائر السبعة وثلاثين مليوناً».
حلم عبور «المتوسط»
يقول سعيد (32 عاماً) لوكالة «فرانس برس»، إن «الشباب في هذا البلد ينظر إلى الجزائر كصحراء لا ينبت فيها شيء»، مضيفاً: «الشباب الذي يشكّل الأغلبية يدفع ثمن سوء إدارة المسؤولين الذين تداولوا على حكم البلد منذ 1962، إن هذا الشباب اليوم لا يحلم إلاّ بعبور المتوسط».
واعتبر الأستاذ الجامعي والخبير في الإدارة الاستراتيجية عبدالرحمن مبتول أنه «بعد خمسين سنة من الاستقلال السياسي، الوضع مرير: هرم النخب السياسية المنبثقة عن حرب التحرير الوطنية وتقادم النظام السياسي ورهانات الحكم الداخلية وأزمة اقتصادية واجتماعية وثقافية، وأخيراً اشتداد الضغوط الخارجية».
شرعية مفتقدة
وفي مقال نشرته صحيفة ليبرتيه، كتب رئيس الوزراء السابق أحمد بن بيتور، «بعد خمسة عقود من الاستقلال ما زلنا نبحث عن شرعية ترتكز على برنامج واستراتيجية منظمتين، وإنشاء هيئة تحدد سير الدولة وطريقة إدارتها وقيادة واحدة ومنسجمة».
وبعد أن اعتمدت الاشتراكية بمختلف أنواعها في 1962، ثم الاقتصاد الليبرالي في 1988 قبل أن تغرق في الحرب الاهلية، عادت الجزائر إلى الاقتصاد الموجّه وسط ثابتة تتمثل في دولة ريعية.
ومع احتياطي يقدر بنحو 205 مليارات دولار في نهاية 2012 حسب تقديرات صندوق النقد الدولي، يتمتع هذا البلد بثروة مصدرها الوحيد المحروقات.
ويشدد الخبراء على أن «الجزائر تستمد أرباحها من 98 في المئة من صادرات المحروقات في حالة الخام أو شبه الخام، بينما تستورد ما بين 70 الى 75 في المئة من حاجات العائلات والمؤسسات».
تعاقب نُظم
منذ استقلال الجزائر في الخامس من يوليو 1962، شهدت في العام 1965 انقلاباً على الرئيس الأول أحمد بن بلة، الذي أطاح به وزير دفاعه حينها هواري بومدين ثم استقالة الرئيس الشاذلي بن جديد الذي أتاحت سياسته الليبرالية في 1991 فوز الإسلاميين في الانتخابات التشريعية التي ألغيت في آخر الأمر، إذ خلفه محمد بوضياف الذي اغتيل قبل عشرين عاماً، بعد أن تعهد بمكافحة غموض الحكم الخاضغ لنفوذ العسكر، وكذلك الاسلاميون الذين رفعوا راية تمرد الجزائريين على نظامهم السياسي.
وقد قادت هذه التطورات البلاد إلى حرب أهلية دامت أكثر من عشر سنوات بين قوات الأمن وإسلاميين متطرفين، أسفرت عن سقوط 200 ألف قتيل وأرهقت الشعب الذي راح ضحية الصراع من أجل السلطة.