منذ اللحظة الأولى، حرصت الإدارة الأميركية على التعامل مع حدث إسقاط المقاتلة التركية قبالة الشواطئ السورية؛ ببرودة. وكأن الأمر لا يعنيها. مع أنه تطور نوعي خطير في مسار الأزمة، حتى ولو أن الطائرة خرقت الأجواء السورية، مع أن الرواية التركية حول هذه النقطة بقيت ضبابية. الاحتقان بين البلدين يجعله كذلك. وواشنطن التي تعرف ذلك، سارعت إلى عزل الحادثة وتطويقها. وكان التعليق الأولي: «اسألوا الأتراك. ليست لدينا معلومات عن الحادثة لغاية الآن».
مع أن الإدارة الأميركية، وباعترافها، تعمل بتنسيق واسع مع حكومة أردوغان بخصوص الوضع السوري، فضلاً عن علاقة التكافل والتضامن الأمني التي تجمعهما من خلال حلف «الناتو». ولا تفسير لردّ فعلها سوى أن أولوياتها تقضي بتبريد الموقف.
العاجل منها، عقد المؤتمر الدولي حول سوريا والذي قطعت المشاورات بشأنه شوطاً مهماً. ثمة من يتوقع انعقاده بين أواخر الجاري وبداية يوليو، و تطمح واشنطن منه، تحقيق واحد من اثنين: إما الخروج بصيغة مشروع دولي لمرحلة انتقالية تنهي نظام الأسد. وتبدو أنها عازمة بإصرار لبلوغ هذه النتيجة، وإما توظيف الفشل لطرح مشروع قرار في مجلس الأمن على أساس البند السابع من الميثاق.
الأهم، مواصلة مباحثات الدول الست مع إيران حول النووي. بعد الاجتماع القريب للتقنيين في اسطنبول، تستأنف المفاوضات على مستوى المندوبين. التوقعات في واشنطن أن يجري التوصل في الجولة المقبلة، إلى حلحلة لعقدتي التخصيب والعقوبات. مصدر التفاؤل وإن المتحفظ، ان إيران تقدمت في اجتماع بغداد الأخير ولأول مرة بنقاط مفصّلة تقع ضمن دائرة التفاوض. ثم أن العقوبات النفطية بات سريانها على مسافة أيام قليلة: أول يوليو.
وقوع صدام تركي سوري بسبب الطائرة من شأنه التخريب على هذه الأولويات. بل قد يحجب الأزمة السورية بحيث تصبح مسألة ثانوية. خاصة إذا استجر أطرافاً إقليمية أخرى إلى دائرته. احتمال وارد في الحسابات التركية. ومن هذه الزاوية، قرأ المراقبون دعوة حكومة أردوغان لحلف «الناتو» لعقد اجتماع طارئ اليوم مخصّص لموضوع الطائرة على أساس البند الرابع من ميثاق الحلف الذي ينص على اعتبار أي عدوان على واحد من أعضائه عدواناً على كافة الأعضاء. بذلك توفر أنقرة التغطية لنفسها حيث لا تريد من الأساس التورط لوحدها. ولو أنه ليس من المتوقع صدور بيان شديد اللهجة من الحلف، الذي ليس وارد التدخل. ومن جهة ثانية، يتمّ توظيف طرح القضية أمام الحلف بشأن الأزمة السورية؛ كعامل ضغط على روسيا لتليين موقفها بخصوص المؤتمر الدولي ولعب دورها المطلوب في إنجاز الخطة الانتقالية في سوريا. الاعتقاد السائد لدى كثيرين من خبراء المنطقة، أن العملية كانت سياسية محسوبة أكثر مما كانت مجرد ردّ على خرق مجال إقليمي. كانت استدراجاً لتصدير الأزمة وتحويلها من سورية سورية إلى تركية سورية. بذلك ينصرف الاهتمام عن الأولى ليتركّز حول الثانية بحيث تختلط الأوراق ويضيع الأساس.
وتركيا التي تملك ثاني أكبر قوة في «الناتو»، قادرة حسب تقديرات الخبراء العسكريين، على الرد بقوة وبصورة موجعة. ولا تفسير لامتناعها، حتى الآن، سوى إدراكها لأغراض هذه اللعبة الخطيرة. علماً، كما يقول هؤلاء، بأن الحادثة وضعت حكومة أردوغان في موقف صعب، خاصة عندما رفضت التعليل السوري لإسقاط الطائرة. وفي ضوء ذلك، تميل التحليلات إلى ترجيح اقتصار الرد التركي ومعه الأميركي، على تعزيز دورهما التنسيقي والتسهيلي في عملية تسليح المعارضة الجارية بوتائر عالية؛ بغية تمكين القوى المناهضة للنظام السوري من تأسيس رقعة جغرافية تصلح منطلقاً لفرض حزام حدودي آمن.