تتناثر على التلال القاحلة في المساحة الممتدة من مدينة القدس المحتلة إلى البحر الميت خيام بدو وأغنام، تجول حولها لتعطي السكان والزائرين لمحة عن شكل الأرض المقدسة في العصور القديمة. وتبدو المخيمات بما تحويه من حظائر للماشية وصهاريج مياه وجرارات زراعية أكثر شبها بعزب بدائية. لكن التراث البدوي يتلاشى تدريجيا حيث تزيل إسرائيل المخيمات لإفساح المجال لتوسع المستوطنات اليهودية ذات الطابع الحضري. ويقول بدو فلسطينيون: إنهم يجبرون على التخلي عن كثير من أساليب حياتهم التقليدية التي تعتمد على الأرض والماشية والخيام. وأصبحت جميعها أهدافاً للقيود الإسرائيلية. ويقول محمد قرشان، وهو من أبناء عشيرة الجهالين التي تسكن في منطقة الخان الأحمر، «أسلوب حياتنا يعتمد على القدرة على التنقل والعيش في خيام متناثرة على مساحات كبيرة من الأرض وتربية الماشية وهو ما نحب أن نعمله». واستطرد، فيما كان يجلس أمام خيمته المقامة على دعائم خشبية بينما يغطي أرضيتها الصخرية بساط كثيف، «السلطات الإسرائيلية لا تفهم أسلوب حياتنا.وتزعم إسرائيل ان خيام البدو مقامة بشكل غير قانوني، ولم تحصل على تصاريح، وتكون أحياناً عقبة في سبيل التخطيط الحضري. وفي المناطق الأبعد في الضفة المحتلة يقوم الجيش الإسرائيلي بإجلاء البدو، زاعماً أنهم يتجولون في مدى مناطق للتدريب بالذخيرة الحية».
مستودع قمامة
وتفوح رائحة القمامة في قرية الجبل على أطراف مستودع القمامة في أبو ديس. ولا تتوقف الضوضاء التي تحدثها سيارات نقل القمامة التي تحمل المخلفات من القدس القريبة لتفرغها في الأرض الفضاء. ونقلت اسرائيل قسراً حوالي 1050 فلسطينياً من بدو الجهالين إلى هذه المنطقة في أواخر التسعينات بعد ان أخرجتهم من أرض ضمتها لمستوطنة معاليه أدوميم اليهودية. وتم تعويض الرعاة مالياً عن نقلهم من الأرض بموجب أحكام قضائية وبتوصيل شبكات الكهرباء والمياه. لكن حياتهم كبدو انتهت، وتعين عليهم بيع معظم ما لديهم من ماشية.
ووافقت إسرائيل في عام 2006 على خطة أخرى لإعادة توطين نحو 20 تجمعاً بدوياً آخر، من بينهم حوالي 2400 من عشيرة الجهالين، من التلال الصخرية القريبة إلى موقع أقرب إلى مستودع القمامة.
ويقول داود الجهالين، وهو من سكان الخان الأحمر وهو أحد التجمعات المقرر نقلها، «أفضل الموت على العيش في منطقة مغلقة مملوءة بالقمامة». ويقول محامون: إن الخطة التي تأجلت طوال سنوات قد تنفذ في أي وقت. ويضيفون أنه لم تجر استشارة السكان البدو ولم يعرض عليهم أي تعويض.
وقال شلومو ليكر، وهو محام إسرائيلي يمثل البدو، إنها «خطة جرت المصادقة عليها بالفعل، ونخشى من أنها قد تنفذ إذا لاحت فرصة سياسية».وقدم البدو التماساً لوقف الخطة ودفعوا بأن الموقع المقترح لنقلهم لا يصلح لسكنى البشر. إلا أن الناطق باسم ما يعرف بـ«الإدارة المدنية» جاي انبار زعم أن البدو «يعيشون في المنطقة بطريقة غير مشروعة وبدون خطة للبناء».
جزر معزولة
تقول جماعات حقوقية: إن تهجير البدو جزء من خطة سياسية أكبر تستهدف بناء 3900 وحدة سكنية للإسرائيليين على مساحة من الأرض يطلق عليها اسم «شرق 1»، وهو الاسم الذي تطلقه اسرائيل على مساحة ما يقرب من ثلاثة آلاف فدان شمال شرقي القدس وإلى الغرب من مستوطنة «معاليه أدوميم». وترى جمعية «عير عميم» الإسرائيلية الحقوقية ان نقل البدو مجرد مرحلة من مراحل خطة ستدمر أي إمكانية في المستقبل لإقامة دولة فلسطينية تتمتع بتواصل جغرافي، عن طريق عزل القدس الشرقية عن بقية الضفة. وقال أحد أعضاء الجمعية إن خطة «شرق 1 ستحول الأرض الفلسطينية إلى جزر معزولة». فيما تقول جماعة «السلام الآن» الإسرائيلية المناهضة للاستيطان إن البنية الأساسية لمشروع «شرق 1»، التي اقترحتها وزارة الإسكان ووافقت عليها الحكومة وتشمل مركزاً للشرطة وشبكة طرق وإنارة للشوارع انشئت كلها بالفعل.