حرق المحاصيل الزراعية سلاح اتبعه النظام السوري منذ اندلاع الثورة في مواجهة المناطق المنتفضة، وكانت درعا الواقعة في جنوب البلاد، والتي تشتهر بزراعة الحبوب في طليعة المدن التي تضررت من تداعيات حرق المحاصيل الزراعية.

وبعدها توسعت دائرة إشعال النيران لتصل إلى سائر المناطق الثائرة، ووصفت هذه الممارسات حينها بسياسة «الأرض المحروقة» التي تهدف إلى قطع أرزاق الثائرين وتجويعهم.

وكشفت الأسابيع القليلة الماضية دخول عوامل جديدة أضيفت إلى هذا التكتيك، فبعد فشل خطة النظام بتلغيم الشريط الحدودي مع تركيا للحد من نزوح الأهالي ووصول المساعدات إلى الثوار، قامت قوات النظام بإضرام النيران بالغابات الموازية على الحدود التركية السورية في الزاوية الشمالية الغربية للبحث عن النازحين، وتعقب آثار كتائب الجيش الحر الذي ينشط في تلك المناطق.

وشهدت بلدة بداما التابعة لمدينة جسر الشغور المتاخمة للحدود التركية حرق مساحة شاسعة من الغابات على يد مليشيات النظام لأول مرة بداعي مطاردة الأهالي الذين خيموا بين الجبال أكثر من ثلاثة أيام نتيجة القمع العنيف الذي استهدف بلدتهم.

ملاحقة المسلحين

ويقول لؤي، وهو أحد الفارين من هذه البلدة إلى دمشق، إن ممارسات النظام «لم تتوقف عند قتل البشر والحيوانات، بل وصل به الأمر إلى حرق الغابات وتخريب الطبيعة، بذريعة ملاحقة المسلحين»، مؤكداً أن «النظام مستعد لحرق كل الغابات لعرقلة نشاط الجيش الحر ومناصريه من المدنيين».

ولم تمض أيام قليلة حتى أضرمت قوات النظام مجدداً النيران في الغابات الحكومية من جهة قرية «الزعينة» القريبة من الحدود التركية تزامناً مع خطاب بشار الأسد الأخير في مجلس الشعب السوري.

ويشير لؤي الذي تعرض إلى حروق طفيفة في وجهه إلى أن النظام «يريد محاصرة الأهالي وإحراقهم.. ولولا إجلاء الجيش الحر للكثير من العائلات إلى المخيمات التركية عبر طرق سرية، لفقدنا العديد من الأرواح». ويرى أن تكرار حرق الغابات على الحدود التركية السورية تأكيد لمقولة «الأسد أو نحرق البلد»، التي انتشرت على جدران الأحياء الموالية.

الهجوم على الحفة

لكن الحادثة التي خطفت الأضواء هي حرق الغابات في بلدة الحفة، التي تبعد عن مركز مدينة اللاذقية 27 كلم، وهي ذات موقع استراتيجي لقربها من ميناء اللاذقية، والحدود التركية التي يستخدمها عناصر الجيش الحر لتهريب المواطنين والإمدادات.

وقامت الميليشيات التابعة للنظام بإضرام النيران في الغابات الكثيفة التي تحيط بهذه المنطقة بعد اندلاع القتال بينها وبين عناصر من الجيش السوري الحر، حيث أفاد الناشطون أن الغاية من وراء هذه العملية، تهدف إلى استعادة قوات النظام المناطق الجبلية الوعرة التي يتحصن بها الثوار ولسد المعابر السرية التي تنقل عبرها الجرحى والفارين من نيران قوات النظام إلى تركيا، فضلاً عن قطع دخول الإمدادات اللوجستية والعسكرية إلى كتائب الجيش الحر.

ومن المعلوم أن الحفة منطقة صغيرة تحيط بها الغابات والكهوف، وقد نجح عناصر الجيش الحر في تنظيم أنفسهم في تلك المنطقة والعمل على ذلك منذ أشهر، حيث تجمعوا في بلدات الحفة وسلمى وكنسبا ودفيل وبكاس، وأحكموا سيطرتهم على الطرق الجبلية الوعرة التي تصل إلى تركيا. والحفة التي تقطنها غالبية سنية تضم أيضاً مسيحيين وعلويين.

وبحسب روايات السكان المحليين أراد النظام عن طريق إحراق الغابات توجيه رسائل مزدوجة، فمن جهة يحاول الحد من توغلات الجيش الحر ويقمع ثورة جبل الأكراد. ومن جهة ثانية يعزز من هواجس الأقلية العلوية بخطر ما يسميها «العصابات المسلحة السنية» التي تسرح وتمرح بحرية تامة بين القرى العلوية، على حد زعم مؤيدي النظام.

ويفسر إبراهيم وهو ناشط من بلدة الحفة هذه الممارسات بأنها لعبة مماثلة للعمليات التفجيرية التي تضرب مناطق طائفية معينة، فالسلطة تهدف، حسب رأيه، إلى زيادة منسوب الهلع فيما لو رحل نظام بشار الأسد. وفي المحصلة المعالم السياحية هي من تدفع فاتورة مزاعمهم الزائفة. حرائق القمح

عمدت قوات الأمن السورية إلى حرق أكثر من 250 دونماً من القمح لمواطنين معارضين للنظام في مدينة خان شيخون التي تبعد نحو 35 كيلومتراً عن مدينة حماه، ويسرد أحد أصحاب الأراضي في المدينة وفضل أن يطلق على نفسه أبو داود، أن: «مجموعات من الأمن كانت تستقل دراجات نارية، أقدمت على حرق محصول القمح بمواد كيميائية. وبهذا تحولت معظم الأراضي المحروقة إلى مساحات جرداء غير صالحة للزراعة في الأعوام المقبلة».

ولم يكن حرق الأراضي الزراعية مقتصراً على المناطق الوسطى والشمالية فقط، فالقصف العنيف على قرية إنخل في درعا من قبل قوات الأمن وجيش النظام أسفر عن احتراق المحاصيل الزراعية. وفوق ذلك منعت السلطات في مدينة جاسم عشرات سيارات الإطفاء التي اتجهت إلى المدينة لإخماد النيران، بسبب وجود الحواجز العسكرية، بعد أن شب حريق في مناطق زراعية واسعة للقمح قدرت مساحتها بـ1000 دونم.