أدت الحركة الاحتجاجية المستمرة في سوريا منذ 15 شهراً والعقوبات الدولية التي فرضت عليها إلى ارتفاع معدلات التضخم إلى نسب غير مسبوقة فشلت التدابير الحكومية في الحد منها.
ويخشى محللون من تأثير استمرار ارتفاع التضخم خلال الأسابيع المقبلة في ظل استمرار أعمال العنف وغياب الحلول المجدية على الحالة المعيشية للمواطن.
لا أفق للحل
ورأى المحلل الاقتصادي نبيل السمان أن نسبة التضخم المرتفعة تعود إلى عدم وجود حل في الأفق للأزمة، مؤكداً أن صلابة الاقتصاد تعتمد على الثقة والأمان بالمستقبل. وأعلن المكتب المركزي للإحصاء الأسبوع الماضي أن نسبة التضخم السنوي لشهر أبريل الجاري ارتفعت بمقدار 31,45 بالمئة عما كانت عليه في أبريل الماضي.
وانتقد السمان أداء الحكومة التي فشلت في إدارة الأزمة الاقتصادية بعد اندلاع الحركة الاحتجاجية الشعبية منتصف مارس 2011.
عدم جدوى
من جهته، توقع المحلل الاقتصادي فراس حداد هذه النسبة غير المسبوقة بسبب عدم وجود آليات حكومية للتدخل في السوق التي غيب 80 إلى 90 في المئة منها في 2005 عندما بدأ العمل بسياسة السوق الاجتماعي، مضيفاً القول إن سياسة المصرف المركزي لم تكن مجدية، إذ تخلى عن تمويل الواردات وترك أسعار القطع بأيدي السوق السوداء والصرافين قبل أن يقوم أخيراً بالتدخل عبر سعر تأشيري حافظ فيه على تحديد السعر لكنه لم يخفضه بالقدر المطلوب.
وأثرت أسعار الصرف على أسعار منتجات القطاع الصناعي والزراعي كون معظم موادها الأولية مستوردة وافتقاد القطاع الإنتاجي إلى المرونة وعدم مقدرته على زيادة الإنتاج بالاعتماد على مواد أولية محلية بديلة، بحسب حداد.
كما عزا المحلل الاقتصادي جهاد يازجي نسبة التضخم التي ترتفع بشكل مستمر منذ شهور إلى إقرار رفع الضرائب الجمركية وانعدام الأمن في عدد من مناطق البلاد ما عقد من شبكات التوزيع والإنتاج.
انعكاس على المعيشة
وأكد السمان أن التضخم سينعكس على المدى القصير شحاً في بعض المواد المعيشية والمحروقات وقيام اقتصاد موازٍ مبني على الاحتكار بصورة غير مسبوقة.
ويشكو المستهلكون خلال الفترة الأخيرة من عدم تناسب الأجور مع المعيشة. فبعد أن كان الناس سابقاً يتدبرون أمورهم رغم ضيق الحال، اختلف الأمر الآن بعد تقلص الموارد ولجوء المواطنين إلى إنفاق مدخراتهم.
وأثرت العقوبات الأوروبية على تصدير النفط السوري ما أدى إلى «انخفاض مأساوي» للعائدات من العملة الصعبة، بحسب يازجي الذي يدير نشرة «سيريا ريبورت» الاقتصادية.
واردت القطاع العام
واعتبر حداد أن فرض العقوبات الاقتصادية في 2011 أثر بشكل مباشر في واردات القطاع العام وبشكل غير مباشر من خلال منع البنوك من التعامل مع سوريا، وما ترتب على ذلك من تعقيدات ترافق أي عملية استيراد خاصة بالقطاع الخاص.
وفي ظل هذا التضخم الجامح، عمد المصرف المركزي هذا الأسبوع إلى طرح أوراق نقدية جديدة للتداول لاستبدال الأوراق التالفة والمهترئة دون الإشارة إلى حجم هذه الكتلة المطروحة.
وأكد حاكم مصرف سوريا المركزي أديب ميالة في تصريح بثته وكالة الأنباء الرسمية، أن طرحها للتداول ليس له أي أثر في التضخم.
إلا أن الرداوي قال إن أي زيادة في حجم الكتلة النقدية بنسبة تتجاوز 4 في المئة سنوياً سوف يؤثر في التضخم موضحاً أن ذلك لن يؤثر فيما لو كانت الكتلة دون هذه النسبة.
غياب الحل السحري
وفي غياب أي حل سحري لمشكلة التضخم المتفاقمة، يرى حداد أنه يمكن إيجاد حلول آنية وسريعة وآلية جديدة للدولة تسمح لها بالتدخل المباشر بالسوق الرقابية وضبط سعر الصرف لتخفيض الأسعار الناتجة عن أسباب وهمية، وحلول استراتيجية طويلة لتخفيض الأسباب الحقيقية على المدى البعيد.
احتكار بضائع
نشطت السوق السوداء ولجأ التجار إلى احتكار البضائع الرئيسية ليصار إلى بيعها بأضعاف أثمانها في غياب الرقابة التموينية.
وأكد أستاذ الاقتصاد تيسير الرداوي أن استمرار الأزمة انعكس سلباً على عالم الأعمال، موضحاً أنه توقف الكثير من المنشآت عن الإنتاج وتدنى حجم استخراج النفط ومردود المنتجات الزراعية والصناعية، مقدراً نسبة النمو الاقتصادي للعام الماضي بنحو 2 بالمئة، مشيراً إلى أن بعض المراقبين يعتبرون أنها سالبة. ولم يصدر المكتب المركزي للإحصاء حتى الآن أرقامه حول معدل النمو الاقتصادي.