«مصائبُ قوم عند قوم فوائدُ» بيت شعر عمره قرون عدة، إلا أنه يكرر نفسه في معتركات الحياة، لا سيما السياسية كل حين، ففي حين ترتجف قلوب ساسة واشنطن وتل أبيب خيفة فوز أضحى وشيكاً لمرشح جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي في انتخابات الرئاسة المصرية، يعيش أهالي قطاع غزة فرحة غامرة عبّروا عنها بالخروج إلى الشوارع مهللين ومكبرين ابتهاجاً بقرب فوز مرسي، ولكل طرف قطعاً أسبابه ومبرراته، في وقت توقع مراقبون وقوف مرسي حال فوزه على مسافة واحدة من جميع الفصائل الفلسطينية».
وعمّت مظاهر الفرحة والابتهاج قطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة المقاومة الإسلامية حماس، في أعقاب الإعلان عن فوز شبه نهائي، وفقاً للمؤشرات لمرشح جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي برئاسة مصر، وفي لفظ «إسلامية» و«مسلمين» تختفي كل رغبة في التساؤل عن السر.
ويرى مراقبون أن ملامح فرحة الفلسطينيين عبر التكبير والتهليل وانتشار صور محمد مرسي في شوارع غزة، يرجع بالدرجة الأولى إلى أن أهالي القطاع ينظرون إلى أن انتصار مرشح الإخوان المسلمين يعتبر في الوقت نفسه نصراً للقضية الفلسطينية، لا سيما المنتمين للحركات الجهادية وجماعات المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، والرافضين لـ «اتفاق أوسلو».
مشيرين إلى أن «حركة فتح والسلطة الفلسطينية تنتظر بترقب مع فوز مرسي المنتمي إلى التيار الإسلامي، خشية انحيازه كقيادة مصرية جديدة لما تسميه فتح انقلاب حماس على قطاع غزة، وتوجيه بوصلة المصالحة الفلسطينية في الاتجاه الذي يعطي الغلبة لحماس على حساب باقي الفصائل الفلسطينية، ومن ثم النكوص على اتفاقيات أبرمت من قبل، وبالأخص اتفاق القاهرة مايو 2011، واتفاق الدوحة الذي يعطي الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس فرصة تشكيل حكومة انتقالية في رام الله وغزة.
انقلاب مستبعد
في الوقت ذاته، يتوقع مراقبون «ألّا يسعى محمد مرسي إلى الانقلاب على الاتفاقيات السابقة، قدر ما سيكون مكملاً للدور الذي اضطلعت به المخابرات المصرية لتذليل العقبات التي اعترت المصالحة الفلسطينية، ويربأ بنفسه عن الانحياز، من أجل الالتفات إلى الحقوق الفلسطينية التاريخية، وقضايا الوضع النهائي، وإنشاء الدولة الفلسطينية، وكسر الحصار على غزة والاستيطان الإسرائيلي»، لافتين إلى أن «الرئيس الجديد سيحاول في إطار علاقاته الدولية، الوقوف على مسافة واحدة من جميع الفصائل الفلسطينية».
تحذيرات
ويحذّر المراقبون أن على الفلسطينيين، رغم قرب فوز مرسي بانتخابات الرئاسة المصرية، عدم الإسراف في التفاؤل بفوز مرشح إسلامي بالرئاسة، لافتين إلى أن «إسرائيل والمجلس الأعلى للقوات المسلحة المصري، وبموجب الإعلان الدستوري المكمّل، سيسعيان إلى الضغط على القيادة المصرية الجديدة ذات الصبغة الإسلامية، بغية تضييق أُطر الدعم والمساندة للشعب الفلسطيني، لا سيما في الدعم المسلح للفلسطينيين حال اجتياح إسرائيل قطاع غزة، مضيفين أنه، وعلى الرغم من ذلك، فإن انفراجاً كبيراً سيحدث بشأن فتح المعابر وتسهيل تسيير قوافل المساعدات.
قلق ومخاوف في واشنطن
ولأن «فوائد قوم» كما تجري العادة أحياناً، فإن اقتراب مرشح جماعة الإخوان المسلمين في مصر من اعتلاء سدة الرئاسة تخفق القلوب في واشنطن وتل أبيب وتتجدد المخاوف من تحقق هذا السيناريو، إذ ينتاب الولايات المتحدة قلق عميق من طبيعة علاقاتها مع مصر من جهة، وعلاقة القاهرة مع تل أبيب من الجهة الأخرى، الأمر الذي قد ينذر بتطورات «خطيرة»، لا سيما في علاقات القاهرة وتل أبيب، كما يرى مراقبون.
ولعل القلق الأميركي والإسرائيلي لم يبدأ مع بدء العملية الانتخابية، إذ ظلّتا مهتمتين، وبشكل متزايد، بشأن التطورات السياسية في مصر، في أعقاب ثورة 25 يناير، والصعود التاريخي للتيار الإسلامي وانتشارهم، فضلاً عن تمكنهم من ارتداء ثياب «الشرعية» لهم على الساحة السياسية، من خلال أحزاب سياسية تنطق باسمهم وتنافس على مقاعد البرلمان والمناصب القيادية.
إعدام علاقات
واعتبر السفير الإسرائيلي الأسبق لدى القاهرة تسفي مزئيل أن «تمكّن الإسلاميين من السيطرة على مؤسسة الرئاسة من شأنه تنفيذ حكم الإعدام على علاقات القاهرة وتل أبيب»، مشيراً إلى أن «الرئيس الجديد سيطبّق الشريعة الإسلامية، والتي تملي قطع العلاقات، فضلاً عن أن مسؤولي الجماعة رفضوا الحوار مع تل أبيب في أكثر من مرة، في الوقت الذي لم تتأثر العلاقة بين مصر والولايات المتحدة بنفس الدرجة التي تتأثر بها العلاقة بينها وبين تل أبيب».
احتكاكات
في السياق، يتوقع مراقبون ومحللون سياسيون «إمكانية حدوث احتكاكات بين الطرفين على الحدود، وعمليات ضغط نفسية يمارسها الجانب الإسرائيلي مستخدماً عدد من الآليات التي شرع فيها بالفعل، مثل تكثيف القوات على الحدود، فضلاً عن استغلال بعض الأحداث للتنديد بحزب الحرية والعدالة، وآخرها الصواريخ التي تم إطلاقها من مصر تجاه الجانب الإسرائيلي، وزعم إسرائيل أن مجموعة من البدو في مصر يعملون لمصلحة حماس، لافتين إلى أن «هذه الإشكالية التي قد تقلق الجانب الإسرائيلي بقوة في ما يخص علاقة الإسلاميين بحماس وإيران أيضاً». إلا أن خبراء أمنيين في مصر نفوا إمكانية «حدوث أي صدام بين القاهرة وتل أبيب»، مشيرين إلى أن كلا الطرفين عرف جيداً ويلات الحرب، وأن أحوال المنطقة لا تسمح بحدوث ذلك، على أن يستمر الوضع على ما كان عليه من احتكاكات واستفزازات من الجانب الإسرائيلي فقط».
استفزاز إسرائيلي
يؤكد مساعد وزير الخارجية المصرية الأسبق السفير أحمد الغمراوي أن «الجانب الإسرائيلي يتملكه نوع من الهلع من وصول الإسلاميين إلى الحكم ووجود رئيس ينتمي إلى المؤسسة الإسلامية»، متوقعاً أن إقدام إسرائيل على ممارسة نوع من «الاستفزاز السياسي» لمصر وإثارة بلبلة على الحدود تعبيراً عن هذه التخوفات، مشدداً في الوقت ذاته أن على القادة السياسيين في مصر التعامل بنوع من «ضبط النفس» مع التطورات، مع مراعاة كرامة المواطنين والحفاظ على كرامة المواطن المصري، وعدم اللجوء إلى أساليب النظام السابق في التعامل مع تلك النوعية من الأزمات».
في الأثناء، دعا فيه نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي موشي يعلون، حكومته إلى «إعادة النظر في علاقاتها مع مصر، بعد اقتراب مرشح الإخوان المسلمين من حكم مصر».
تبديد مخاوف
يشير مراقبون إلى أن « فوز مرسي من شأنه تبديد المخاوف واللهجة العدائية التي كان قد استخدمها المرشح الخصم أحمد شفيق خلال حملته الانتخابية، في أعقاب اتهامه كلاً من الإخوان وحركة حماس بقتل المتظاهرين في ثورة 25 يناير»، مضيفين أن استخدام شفيق فزاعة الإسلاميين كما فعل مبارك، والانحياز أيضاً إلى إسرائيل على أمل السلام التقليدي غير العادل وغير الشامل، الذي طالما دفعت فاتورته من دماء الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والقدس، والسجون الإسرائيلية، وسقوط جنود مصريين على الحدود مع الأراضي المحتلة بنيران الاحتلال.
تطمين
طمأن مرشح جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات الرئاسية محمد مرسي في وقت سابق إسرائيل، عبر تأكيده وجوب احترام اتفاقية السلام الموقعة بين الدولتين، ووجود نوع من الاحترام المتبادل بين البلدين، كي لا تحدث الانتهاكات السابقة التي كان يقوم بها الجانب الإسرائيلي إبّان حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك. كما أكد مرسي في الوقت ذاته أن الشعب المصري لا يهاب إسرائيل، ويجب ألا يهابها مطلقاً، لا سيما أن عدد سكانها يبلغ نحو خمسة ملايين فقط، في مقابل أكثر من 80 مليوناً.
