بدت واشنطن وكأنها تفاجأت بالقرارات القضائية والأمنية الأخيرة في مصر. لكن ردود فعلها لا تنفي علمها المسبق، وليس بالضرورة ضلوعها، بما حصل. تعمّدت الوقوف في اللون الرمادي، تجاهها. لم تأخذ موقفاً قاطعاً بخصوص ما جرى.
لا بالإدانة الصريحة ولا بالتأييد الواضح. واكتفت بعدم الاعتراض الملتوي. تراوح تعاملها مع حلّ مجلس النواب ومع عودة قانون الطوارئ، بين التفهم المبطّن وبين الحث على مواصلة العملية الانتقالية عبر القنوات الديمقراطية.
واشنطن غير منزعجة من هذا التغيير، باعتباره استدراكا لوقوع خلل في المعادلة التي ترغبها والتي تقوم على شراكة تكفل احتواء الأطراف الفاعلة من دون هيمنة لأحدها على الوضع. بيد أنها في ذات الوقت أرادت حفظ خط الرجعة، لأن التداعيات قد لا تنضبط في هذه الحدود. ومن هنا تحفظّها اللفظي.
كان طموح واشنطن في الأساس أن تحصل عملية العبور السياسي في مصر وفق قواعد اللعبة الانتخابية؛ شرط أن تتمخّض عن حصيلة متوازنة في تركيبة الحكم الجديد. معادلة بدا تحققها في خطر. اكتسح الاخوان ساحة المجلس النيابي. والآن قد يحققوا الفوز بالرئاسة. وفي ضوء هذا الاحتمال، تراجع المبدأ وتقدّمت الحسابات والاعتبارات الاستراتيجية.
في البداية، تعاملت معظم الأوساط الأميركية وعلى رأسها إدارة أوباما، مع نتائج انتخابات البرلمان المصري بالترحيب والقبول؛ باعتبارها حصيلة عملية اقتراع حرّ لم يعرفه المصريون منذ عقود.
وحدهم المحافظون، في الكونغرس ودوائر الرأي والإعلام؛ اغتنموا الفرصة للعودة إلى معزوفة " الخطر الإسلامي "، مع التركيز على ما قد يمثله ذلك من "تهديد لمعاهدة السلام" مع إسرائيل. والمعروف أن إدارة أوباما ومعها لفيف واسع من أهل الرأي والخبرة، كانت حسمت منذ بدايات موسم "الربيع العربي" باتجاه التكيّف مع المعطيات الجديدة والاستعداد للتعامل مع الحركات السياسية الإسلامية في المنطقة.
وفتحوا خطوط الاتصال معها وبالتحديد مع الاخوان في مصر، من باب التسليم بالأمر الواقع وعملاً بسياسة الاستيعاب. رافق ذلك تحذيرات دورية في الصحف ودوائر صناعة الرأي، من احتمال التفاف العسكر على العملية الانتخابية واختلاق عراقيل ومخاوف، بغية مصادرة السلطة والاحتفاظ بها وحتى إشعار آخر.
واستحضرت القرارات الأخيرة مثل هذا الهاجس، الذي عادت بعض الأوساط الأميركية إلى التذكير به وبمخاطره. سواء في وسائل الإعلام أو في الكونغرس، الذي سارع بعض أركانه إلى مطالبة وزارة الخارجية بوقف تسليم أي جزء من المساعدات لمصر بعد الآن، ريثما تتبلور الصورة بعد الانتخابات.
الانقلاب، إن صحّت التسمية، أربك إدارة أوباما. هي لا تمانع خلاصته. لكنها لا تقوى على المجاهرة بالموافقة والدعم باعتبارها الداعية إلى الالتزام بما تأتي به الصناديق. " أقلقتنا هذه القرارات وما زلنا نحكي مع الجهات المصرية المعنية لنفهم ما جرى.
وقد لاحظنا أن المصريين أنفسهم ما زالوا يحاولون فهم ما انتهت إليه المحكمة "، تقول المتحدثة الرسمية في وزارة الخارجية الأميركية. وتضيف: "على كل حال لو قرروا إعادة الانتخابات النيابية فالمطلوب حصولها بأسرع ما يمكن وبأن تكون حرّة وديمقراطية".
لا يحتاج هذا الكلام إلى شرح وتفسير. مقاصده ليست خفية. فواشنطن، لها مواصفاتها للوضع المرغوب. لكن مفتاح المعادلة المناسبة، يبقى بيد المصريين؛ عسكر وأحزاب وأهل ميدان التحرير. ولا ينبغي أن يكون غير ذلك. العملية الانتقالية في أرض النيل عادت إلى المربع الأول. والتحدّي أن لا تؤدّي هذه العودة إلى جولات جديدة من الاشتباك الأهلي.
