قد تظهر المذابح الطائفية في سوريا الميليشيات التي تدعمها السلطات في صورة المسخ الذي سينفّر حلفاء سوريا ويدفع بالتدخل الخارجي وتمزيق أوصال البلاد، الأمر الذي سيسرع بسقوط نظام الرئيس بشار الأسد.
وقال محللون إنهم لا يرون منطقا عسكريا قويا يدفع الحكومة السورية لارتكاب أعمال القتل السابقة لعشرات المدنيين السنة في هجومين بقريتين أخريين في شمال غرب البلاد، الأمر الذي ألهب المشاعر ضد الاسد في الخارج وبين من يؤيدونه من الأغلبية السنية في سوريا.
وقال البعض إن مسلحين ممن يعرفون بالشبيحة من الأقلية العلوية التي ينتمي إليها الأسد والتي تسلحها النخبة في دمشق ربما تشن حملة لطرد السنة لإقامة منطقة عازلة حول معقل آمن للعلويين على ساحل سوريا. ويزيد الأمر من خطر تفكك سوريا على غرار ما حدث في الاتحاد السوفييتي السابق مما سيحدث هزة في صدوع الأعراق والطوائف في منطقة الشرق الأوسط.
تطهير عرقي
وقال سياسي شهير في لبنان،إن «هذه المذابح نوع من التطهير العرقي.. إنهم يطهرون مناطقهم مثلما حدث في البوسنة».
معقل للعلويين
وذكر فواز جرجس من كلية الاقتصاد في لندن إن الشبيحة أصبحوا الآن المسخ الذي يهدد حياة صانعيه، وذلك بعد إثارة نفور الطبقات الوسطى من السنة في المدن والتي كانت تؤيد الأسد وترى فيه حماية للنظام في مواجهة الفوضى وكذلك استياء الغرب وغضب الدول العربية السنية من رعاة العلويين الشيعة مثل إيران.
وقال السياسي اللبناني إن محاولة إيجاد معقل للعلويين على الساحل الغربي لسوريا وهو معقل الطائفة العلوية قد يكون هو التفسير الوحيد لقتل 78 من السنة في القبير بعد قتل 108 أشخاص في الحولة. وألقت جماعات معنية بالحقوق باللائمة في المذبحتين على ميليشيا علوية ارتكبتهما في أعقاب قصف بالمدفعية، مما يؤكد وجود شكل من أشكال الموافقة على ما حدث في الأوساط الرسمية. وأضاف السياسي اللبناني، الذي رفض ذكر اسمه بسبب حساسية الموضوع، أن «هذا هو التفسير الوحيد لهذه المذبحة التي تأتي رغم رد الفعل الدولي». وقال «ومن الناحية العسكرية ليست هناك انتصارات مهمة يحققها النظام. يظهر الأمر أنهم دخلوا المرحلة النهائية وهي البدء في تنظيم صفوفهم في مناطقهم».
خطة بديلة
من جهته، قال مدير مركز كارنيجي للشرق الاوسط في بيروت بول سالم إن حاشية الأسد ربما تخلي منطقة تقهقر لها في معقل العلويين لتفر إليها إذا ما لم تتمكن رغم تفوقها الكبير في القوة في الاحتفاظ بالسيطرة على كامل أرجاء سوريا. واضاف أن القادة العلويين الذين أثاروا مخاوف بين الأقلية بأنها ستواجه انتقاما قويا من السنة إذا تمت الاطاحة بالأسد يعدون بالطبع لخطة بديلة. وأضاف أنه إذا اضطروا للذهاب إلى هناك فقد يفعلون ذلك.
وقال السياسي اللبناني إن تكرار الأساليب نفسها مثل قتل النساء والاطفال بداأن الهدف منه هو نشر الخوف على نطاق أوسع بين السنة الذين يعيشون في مناطق قريبة من المناطق ذات الأغلبية العلوية. وأضاف أن «الصورة في التشكل بعد تكرار المذابح.. وقعت المذبحة الأولى فلم الثانية؟ ولماذا حرق المنازل ولماذا القرى؟». وأكد ان حكومة الأسد لن تتراجع بسهولة. وذكر أنها تقاتل من أجل البلد بأكمله لكنها لا تعرف إذا كانت ستنجح وإنها دخلت في مقامرة.
المسخ الجديد
وقال جرجس وهو أستاذ في سياسة الشرق الأوسط في كلية الاقتصاد في لندن إن هؤلاء الشبيحة هم المسخ الجديد. وأضاف أن النظام خلق الشبيحة وحركهم وسلحهم وأصبحوا الآن يمثلون كابوسا بالنسبة له، وهو كابوس يدمر أركان النظام نفسه بشكل أساسي.
وقال جرجس إن المذابح تعجل بتدمير النظام لنفسه وإذا كان النظام السوري يرتكب هذه المذابح فإن هذا يعد انتحارا جماعيا، وإذا كان المسخ هو الذي يرتكبها فهذا يعني أن النظام لم يعد يتحكم في تصرفات واحدة من أكبر الميليشيات التي يملكها. وذكر أن الأمور تخرج عن نطاق السيطرة، وأن أفعال الشبيحة تقوض أي شرعية مازال يتمتع بها نظام الأسد داخل وخارج سوريا.
وأجبرت قسوة العنف في سوريا والتي أصبح السوريون يطلعون عليها عبر وسائل التواصل الاجتماعي الطبقة الوسطى وطبقة التجار السنة في مدينتي دمشق وحلب على تغيير موقفهما بعد أن اتسمت مواقفهما بالسلبية. ووصلت معارضة حكم الأسد إلى هاتين الطبقتين، حيث بدأ تجار في الأسواق الرئيسية في غلق متاجرهم استجابة لطلبات معارضين.
خطر التقسيم
وسيكون أي تقسيم لسوريا مثل إقامة وطن للعلويين بمثابة سابقة خطيرة وسيقابل بمعارضة شديدة من جيران لسوريا مثل تركيا وإيران والعراق وهي دول تخشى على انقسامات طائفية وعرقية بداخلها.
وقال جرجس إنه لا يمكن أن تكون هناك دولة طائفية منفصلة في سوريا، لأن هذا سيدمر المنطقة بأكملها. وأضاف أنه لا توجد قوة إقليمية ولا دولية يمكنها قبول هذه الفكرة وإن أي دولة علوية لا يمكن أن تعيش في سوريا. واتفق جرجس مع محللين آخرين في أنه إذا أقيمت دولة للعلويين بعد تقسيم خطير لسوريا في نهاية المطاف، فإن هذا من شأنه الضغط على الزناد لتفكك دول بها عرقيات وطوائف مختلفة في الشام. وقال إن الصراع في سوريا ليس فقط عملاً مضنياً يستغرق وقتاً طويلاً وإنما عملاً شاقاً دامياً وصراعاً مسلحاً مديداً. وأضاف أنه لا يعتقد أنه ستكون هناك نهاية سعيدة في سوريا لكن الصراع لن ينتهي بتقسيم سوريا.
حقائق
يعيش الكثير من العلويين الذين يمثلون 12 في المئة من السكان في سوريا ويصل عددهم إلى 2.5 مليون شخص في المنطقة بين الحدود اللبنانية والتركية بما في ذلك ميناء اللاذقية السوري الرئيسي.
وعلا شأن الكثير من العلويين منذ وصول الرئيس السوري الراحل حافظ الأسدإلى السلطة العام 1970.