بات تعبير «مرحلة ما بعد الأسد»، عنوان الخطاب الأميركي الراهن بخصوص سوريا، خاصة بعد زيارة كوفي أنان إلى واشنطن يوم الجمعة ولقائه مع الوزيرة هيلاري كلينتون. ثم جاء توالي التصريحات والإشارات الروسية المتناغمة مع هذا العنوان لتكمل المشهد، بحيث بدا وكأن هناك ورشة عمل واحدة تتطلع إلى تحقيق نفس الغرض؛ ولو بمقاييس وشروط مختلفة يجري السعي للتوازن في ما بينها.

القاسم المشترك بينها، أن التغيير القيادي في دمشق ما عاد يوجد بديل عنه. واشنطن تقولها بصراحة، وموسكو تقولها بصورة خجولة. وكلاهما على توافق حول الحل السياسي، باعتباره الصيغة المقبولة روسياً والمتاحة اميركياً في هذا الظرف.

وإذا كان المبعوث الأممي والعربي كوفي أنان يقوم بدور المنسق بين المخرجين فإن الكرملين يتولى بالتراضي دور مهندس الإخراج. ثمة تسليم اميركي بأن موسكو تكاد تحتكر القدرة على القيام بمثل هذه المهمة. إدارة أوباما لا تنفك تشيد بتعاونها وعملها «عن كثب مع الروس»، في هذا الملف. يتكرر هذا التنويه يومياً. بدل التراشق بين العاصمتين، حلّت لغة التعاون. واشنطن بحاجة إلى التوصل إلى معادلة تنهي الأزمة بأسرع ما يمكن. ذلك أنه بقدر ما يكبر النزيف الداخلي، بقدر ما تزداد الضغوط عليها للتلويح بخيار التدخل. وفعلاً هو بدأ يأخذ هذا المنحى في الأيام الأخيرة، في ضوء تصاعد القتال وتوسع رقعته. وهذا آخر ما ترغب فيه على الأقل قبل الانتخابات. وكذلك هو حال موسكو، التي تخشى من أن يؤدي التدهور المتسارع إلى نسف الخيار السياسي الذي تشدّ به لأنه يوفر لها مكانة اللاعب الأول في الأزمة؛ وبالتالي رجحان كفة التدخل الذي لن تقوى على ردعه لو دخل حيز التنفيذ. المصلحة المشتركة، ساهمت في دعم تسوية سياسية تقوم على الإطاحة برأس النظام.

الآن تدور التحركات لعقد المؤتمر الدولي الذي دعت إليه روسيا. صيغة مكبّرة لمجموعة الاتصال التي اقترحها أنان. الإدارة الأميركية ردّت فوراً بالموافقة، شرط عدم دعوة إيران. «لا نقبل بمشاركة طهران لأنها طرف في الأزمة».. قال مسؤول في الخارجية الأميركية لـ «البيان».

وكان من اللافت أن موسكو التي أعلنت عن عزمها على دعوة إيران للمشاركة، عاد وزير خارجيتها ليقول ان بلاده «لا تعارض» مثل هذه المشاركة. ترجمة ذلك أنها ليست متمسكة بهذا الحضور ولا ترهن انعقاد المؤتمر به.

المتوقع أن يلتئم شمل هذا المؤتمر قبل نفاد فترة التسعين يوماً المعطاة لخطة أنان الأولى. أي قبل منتصف يوليو. الوضع لا يحتمل الفراغ. العمليات العسكرية تأخذ منحى التصعيد المفتوح. واشنطن تصر على جدول أعمال يعكس اولوياتها: «بحث خطة انتقالية لما بعد الأسد، تعزيز وتعميم العقوبات وأخيراً العمل على تقريب اطراف المعارضة من بعضها».

سئلت الإدارة: لماذا الإصرار على خريطة انتقالية الآن والنظام لايزال ممسكاً بالوضع ومن موقع قوة؟

وكان الجواب بأن طرح مثل ذلك في هذه اللحظة، ينطوي على رسالة موجهة إلى بطانة النظام والأقليات والقوى الاجتماعية التي ما زالت ملتفة حوله؛ بأن الأمر قد انتهى «وحان وقت الانسلاخ عنه». وهذا من شأنه التعجيل في حصول التغيير.

ورّطت واشنطن موسكو بالفيتو مرتين. والفيتو ساهم في توريط النظام السوري بالتمادي في الحلّ الأمني. واشنطن تتفرّج طالما بقيت المشكلة تحت السقف الذي يسمح باستمرار هذا الموقف. الآن يحاول الكرملين الاستدراك، عن طريق المؤتمر الدولي. هل هو عازم على حلّ الأزمة مقابل الاحتفاظ بمصالحه العليا في سوريا الدولة، حسب ما توحي مواقفه الأخيرة بالنسبة للرئيس الأسد؟ وكم يلزم ذلك من وقت ؟ وهل يسمح الوضع المندفع نحو حرب أهلية على مداها، بانتظار المزيد من الخطط والقمم والمشاريع؟

أمران واضحان: أن الأزمة السورية باتت مفتوحة على كافة الاحتمالات، وثانياً أن المخارج والحلول خرجت من أيدي السوريين، نظاماً ومعارضة.