أطلقت التنسيقيات المحلية دعوةً للإضراب العام في سوريا منذ العام الفائت حملت شعار: «إضراب الكرامة» في محاولة لحشد الدعم للانتفاضة الشعبية ولتأصيل مسارها السلمي.. وصُمّم هذا الإضراب على مراحل تبدأ على مستوى مناطق الانتفاضة الرئيسة لتتوسع حتى المناطق التجارية إلى شل الحركة التجارية في البلد.. لكن بقيت الثمار غير ناضجة لحسابات خاصة بتجّار دمشق الذين كان يراهن النظام على ولائهم.
لكن هذه الدعوة لم تلق نجاحاً يذكر في المدن الرئيسة كدمشق وحلب، لعوامل عدة منها: تشبث التجار بمصالحهم في بداية الثورة حينما كانت تأثير العقوبات الخارجية ضئيلة نسيبا على الاقتصاد. وإطلاق النظام يد تجار الأزمات على قاعدة «استغل ما يمكن استغلاله»، وكذلك تلويحه باستخدام القبضة الأمنية لكل من يتجرأ على الخروج من كنفه. وبهذا استطاع كبح جماح الطبقة التجارية لردهة من الزمن، وتحييدها خارج دائرة الخط الثوري.
بيد أن هذه المعادلة انقلبت رأسا على عقب يوم الاثنين 28 مايو الماضي عندما بادر تجار دمشق، وبشكل غير متوقع، بإعلان إضراب في معظم أسواق دمشق القديمة كردة فعل على مجزرة الحولة تحت شعار: «كفى هدراً لدماء السوريين»، جاء هذا الحدث كصفعة قوية في وجه النظام، فقد أسقط مقولة رددها النظام كثيرا وتشدق بها أنصاره مراراً: «تجار دمشق في خندق النظام حتى آخر رمق».
ويفند عضو مجلس غرفة تجار دمشق بسام ملك هذه المقولة بالقول إن «إضراب تجار دمشق كان رسالة شديدة اللهجة وجهت إلى النظام فحواها: عليك حماية شعبك، وإذا كنت عاجزاً عن ذلك فعليك الرحيل، وكفاك هدراً لدماء السوريين».
ويصف ملك إضراب تجار دمشق بـ «ظاهرة أخلاقية» نجمت عن مجزرة الحولة وكذلك التأكيد على ضرورة محاسبة المسؤولين عنها أمام قضاء عادل.
وتنقسم الطبقة التجارية في دمشق إلى شريحتين: الأولى، تتجسّد في أعضاء غرفة التجارة والصناعة وغالبيتهم من الأثرياء، وهذه الشريحة تتناغم توجهاتها مع النظام، وتعيش تحت عباءته لضمان مواصلة مصالحها. والثانية، تسمى لجان الأسواق أو شيوخ الكار بتعبير أهل الشام، هذه اللجان تنشط في كل أسواق دمشق التقليدية، وتتألف كل لجنة من ثلاثة أشخاص إلى خمسة وتعتبر المرجعية الرئيسة للتجار، حيث تشرف بشكل مباشر على حركة الأسواق، وتتقاطع مصالحها مع الطبقة الوسطى والفقيرة وتتأثر بها. وهذه الشريحة بالتحديد من أعلنت الإضراب في أسواق دمشق القديمة.
ويؤكد بسام ملك، الذي يملك محل ثريات في حي العمارة، ان اللجان نسقت في ما بينها وأعلنت الإضراب ورفضت الرضوخ لتهديدات مليشيات النظام، ويؤكد أنه لم تكن لغرفة التجارة والصناعة بدمشق أي دور في هذا الإضراب.
ثمن التحالف
وفي السياق، يكشف بسام العضو في هيئة التنسيق الوطنية المعارضة أنه انسحب من اجتماع عقد بين أعضاء غرفة التجارة في اليوم الذي أعلن فيه الإضراب احتجاجاً على رفض الأعضاء إصدار بيان يندد فيه بمجزرة الحولة، قائلاً: «هؤلاء سيدفعون ثمن تحالفهم مع النظام في أقرب وقت، لأنهم يسبحون عكس إرادة الشعب».
ثورة الخسائر
وبحسب الخبراء فإن من بين العوامل التي دفعت النخبة الاقتصادية إلى الانحياز للثورة، الركود الاقتصادي الناجم عن الحصار المفروض على سوريا، حيث شلت حركة السوق والسياحة، وتصاعد الغلاء نتيجة انهيار الليرة السورية أمام الدولار مما دفع بالشريحة الوسطى إلى خط الفقر، ورافق ذلك تصاعد وتيرة العمليات العسكرية على طول البلاد وعرضها، الأمر الذي حث تجار دمشق إلى إعلان القطيعة النهائية مع النظام الذي أوصل سوريا إلى شفة الهاوية.
والمتابع لأوضاع الطبقة التجارية في دمشق كان يشعر بتغييرات واضحة تطرأ على مواقفهم خلال الشهور الأخيرة، حيث لا يتخلف العشرات منهم عن الإسهام المستتر في تقديم الإعانات للأسر أو المناطق المنكوبة.
وترى سماح هدايا، العضو في الأمانة العامة للكتلة الوطنية الديمقراطية السورية، ان إضراب التجار في دمشق وأحيائها وريفها «تأكيد على دعم الشعب السوري بكافة أطيافه وشرائحه للثورة وعدم ارتباطه عضوياً مع النظام».
وترجع هدايا، وهي رئيسة تحرير مجلة مداد، سبب تأخر التجار لإعلان مواقفهم بشكل علني وواضح من الثورة إلى القبضة الأمنية المتحكمة بمصالحهم، فضلاً عن وجود بعض الداعمين للنظام من الذين شاركوه شراكة اقتصادية وسياسية في هرم التجار.
وتثني هدايا على مواقف تجار دمشق وتصفهم بالأبطال، لأن «حياتهم وأموالهم وأمن أسرهم أصبح في الخطر. لذلك يجب الوقوف طويلاً عند حدث إضراب تجار دمشق والاستفادة من مدلوله السياسي والاجتماعي لمصلحة الثورة».
صعوبات لوجستية
بيد أن إضراب دمشق وأريافها واجهته بعض الصعوبات من ناحية تطبيق الشروط الأولية المتعلقة بالجانب التنظيمي، مثل ضعف العلاقة الترابطية بين التنسيقيات على الأرض، وعدم قدرتها تأمين الاحتياجات اليومية للشريحة الوسطى والفقيرة، لاسيما أن الإضراب كان بنظر الكثيرين حالة عفوية أكثر من كونها خطوة تنظيمية.
وتشير سماح هدايا إلى أنه «لا يمكن أن نلغي حالات الضرر التي قد تنجم من الإضراب. ترابط مصالح
وفق المعطيات الميدانية لا يمكن فصل إضراب دمشق عن التأثيرات المتبادلة بينها وبين مدينة حلب، بوصفهما المدينتين الأكبر والأثقل اقتصادياً، وفسّر المراقبون هذه التطورات بمثابة إشارة طالت انتظارها قد تدفع بالثورة إلى آفاق جديدة تضيق الخناق على النظام، وتبشر بعودة الثورة إلى الثقل السلمي إذا ما توفرت شروط استمراريته، والوصول إلى عصيان مدني شامل كالسبيلَ الأمثل والأقل كلفة لإسقاط النظام.