تفحّم جسد السورية أم سهيل، المرأة التي تناهز من العمر 40 عاماًوابنتها البالغة من العمر 13 عاماً على اثر تفجير بابور (بريميز) الكاز بهما لدى تحضيرهما لطهي الطعام كبديل عن صعوبة الحصول على اسطوانة الغاز الذي بات سلعة نادرة في مراكز التوزيع في دمشق وريفها.
موت أم سهيل وابنتها حدث في منطقة جديدة عرطوز الواقعة في ريف دمشق منذ أسبوع وتركت ثلاثة أطفال يتامى، وفتحت معها نافذة حجم معاناة السوريين مع أزمة الغاز على مصاريعها. فالأزمة باتت مستفحلة على طول البلاد وعرضها، وتقاسمت جميع المدن والبلدات سواءالمنكوبة منها أو البعيدة عن منطقةالتوترات مشقات تداعياتها.
ففي دمشق وتحديداً في حي المزة الذي يوجد فيه أحد مراكز التوزيع الرئيسية لمادة الغاز تتجمهر حشود من الأهالي منذ منتصف الليل على أمل الخروج باسطوانة الغاز في صباح اليوم التالي. تشرق الشمس وتصل ذروتها بعد الظهيرة لتتباين على وجوه المواطنين ملامح السخط والإحباط، وتأتي صرخة العنصر الأمني المشرف على توزيع الغاز لتقطع بصيص الأمل نهائياً عندما يتفوه بعبارة: «خلصت الاسطوانات اليوم» لتترك ثلث أرباع الطوابير المحتشدة التي تتقارب أعدادهم إلى الألف شخص يعودون إلى البيت خائبين وبائسين. يخرج أبوماجد، 48 عاماً وهو من قاطني منطقة داريا التابعة لريف دمشق خالي الوفاض من بين الطابور ويقول:«قصدت المركز مع زوجتي منذ الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، لعل الحظ يسعفنا بالحصول على الاسطوانة لكننا اصطدمنا لأن الأولوية مخصصة لكبار الضباط في الجيش والأمن» بمقدار أربع أسطوانات على الأقل لكل واحد منهم.
ويفسر أبوياسين وهو من ذات البلدة ونال منه التعب جراء انتظار ساعات طويلة أمام مركز توزيع الغاز أن النظام «يسهّل للضباط الحصول على أكبر مقدار من الاسطوانات من أجل المتاجرة بها، حيث تباع كل أسطوانة بسعر 1000 ليرة إلى 1500 في السوق السوداء، ومعظمها يتم عن طريق العناصر المجندة لدى الضباط في الوقت الذي كانت تباع فيه قنينة الغاز بـ270 قبل الثورة السورية.
ويرى أبوياسين أن النظام بهذه الخطوة «يضمن ولاء الضباط» على اعتباره بأمسّ الحاجة إليهم في هذه الفترة الصعبة، ومن جهة ثانية يخلق شبكة توزيع الغاز في السوق السوداء للتجار والضباط. ويقول: «إنهم يستغلون المواطنين بحجة نفاد الغاز».
وأمام هذا المشهد المضرب تخرج التصريحات من الدوائر الرسمية بين فينة وأخرى تحاول تلطيف الجو وإيهام السكان بقدوم شاحنات الغاز من الدول الصديقة لتلبية حاجات المواطنين، لكن هكذا تصريحات منافية للواقع تجابه بعدم الاهتمام من قبل الشارع. فيروي أحد المواطنين الذي ينتظر ليلاً ونهاراً أمام مركز توزيع الغاز في المزة (أحد أحياء دمشق) ان الناس «تصحب معها فراش نومها وتبيت في الحدائق والأرصفة المجاورة لمركز التوزيع أياماً لترقب قدوم شاحنات الغاز».. ويضيف: «الجهات الرسمية تمارس علينا لعبة الضحك على الذقون عبر تصريحاتها الكاذبة».
وتتهم الجموع المحتشدة في ما بينها بلغة الغمز واللمز النظام بالوقوف وراء الأزمة، لاسيما أن معظم كميات الغاز المنزلي ترسل إلى القوات العسكرية والأمنية المرابطة في المناطق المنكوبة، في حين يترك المواطن يتخبط في مشاكله اليومية.