اشتهر رئيس الوزراء العراقي نوري الملكي بمقولته الشهيرة: «ما ننطيها»، أي لا نعطي الحكومة لأحد، عقب تسلمه رئاسة الحكومة مباشرة. وهذه المقولة، وان اعتبرها البعض «زلة لسان»، إلا أن آخرين فسروها ببعد طائفي أو حزبي وليس بالبعد الشخصي، الذي يمكن أن يثير امتعاض أقرب المقربين له، وهو ما يحدث الآن بالفعل، إذ تنحصر الخيارات بشأن حكومة المالكي بخيارين اثنين لا ثالث لهما، الأول اختيار التحالف الوطني الذي يمثل الأغلبية البرلمانية بديلاً عن المالكي، والثاني لجوء الرئيس جلال طالباني إلى توجيه رسالة إلى مجلس النواب يطلب سحب الثقة من الحكومة ورئيسها.
ومنذ تشكيل الحكومة، قبل حوالي سنة ونصف السنة، على أساس «الشراكة والتوازن»، يلمس المراقبون والسياسيون، أن رئيس الوزراء لم يجد إلى الآن من هو أكفأ منه لإدارة الحقائب الأمنية، إضافة إلى المناصب والمسؤوليات التي لا تعد ولا تحصى. ويرى المراقبون أن ما يثير المخاوف داخل حزب الدعوة نفسه هو تحول الانفراد من الطائفة إلى الحزب، ثم إلى المقربين في الحزب، ومن بعد إلى العائلة، والمقربين في العائلة.
أكل الميتة!
من هنا يظهر التفكك داخل التحالف الوطني وانتقاله إلى داخل حزب الدعوة، وظهور ردة فعل قوية تجاه الدعم الإيراني لشخص نوري المالكي، على حساب الأطراف الأخرى، ولاسيما التيار الصدري، الذي وصف مشاركته في حكومة المالكي، بأنها أشبه بالإجبار على «أكل الميتة»، فيما نقلت وسائل إعلامية عراقية، عن مقتدى الصدر، رده على سؤال عما إذا كان سيستجيب لضغوط إيرانية بشأن العدول عن سحب الثقة من المالكي، بأنه يفضل أن يكون «علمانياً» على ذلك.
ويلاحظ المراقبون السياسيون تحولاً نسبياً في مواقف الأطراف السياسية الشيعية المدعومة من إيران، جوهره أن تلك الأطراف كانت بحاجة إلى الدعم المالي الإيراني، عندما كانت فقيرة، أما الآن، فان إيران هي التي بحاجة إلى دعم هذه الأطراف، التي أصبحت غنية، ولها قاعدة جماهيرية لا يستهان بها.
التأثير الإيراني
وفي الأزمة الأخيرة، يبدو التأثير الإيراني أضعف بكثير من السابق، لاسيما وأن الكثير من رجال الأعمال العراقيين «الشيعة» أسسوا علاقات اقتصادية وثيقة مع دول الجوار، وخاصة مع تزايد العقوبات الدولية على إيران، ومع تزايد الشعور بـ «الفشل الشيعي» بإدارة دفة الحكم في العراق، منذ بداية الاحتلال حتى الآن، وهو ما ينعكس سلباً على الطائفة، التي تعي الآن أن سبب الأزمات هو تفرد الحزب الواحد والشخص الواحد الذي يحكم باسم الطائفة، التي يتبلور لديها الآن رأي بأن الحكومة هي صاحبة الشأن الأول، ولم تستطع تقديم أية حلول للمشكلات السياسية والاقتصادية والخدمية، وغيرها، وأن هذا الفشل يعني في وجهه الآخر، وجود «حكومة فاشلة»، يتطلب تقويمها حلولا جذرية.
أزمات
وتدرك الكتل البرلمانية الآن أن العملية السياسية أصبحت أكثر تعقيدا، بعد أن وصلت لطريق شبه مسدود، بسبب سياسة الإقصاء والتهميش، وأن الموقف أصبح صعباً جداً، حيث ألقت الكتل السياسية المسؤولية، على «التحالف الوطني»، لاختيار بديل للمالكي، بهدف تجنب حدوث فراغ سياسي أولا، ولكشف من يقف بوجه تطور العملية ثانيا، وهو ما حصل بفشل التحالف الوطني المفكك في إيجاد بديل وأعطى المسوغ للجوء إلى الخيارات الأخرى، وهي إما استجواب المالكي برلمانيا بهدف حجب الثقة، أو الطريق الدستوري الآخر، وهو أن يستجيب رئيس الجمهورية جلال طالباني لطلب الكتل السياسية، ويطلب من البرلمان إقالة المالكي وسحب الثقة منه، وهذا ما تدور حوله مباحثات أربيل حالياً.
انفراد
أكثر ما يثير حلفاء المالكي في التحالف الوطني، هو أن منصب وزارة الداخلية خصص لـ«التحالف»، ومع ذلك لم يجد في المتحالفين معه من يصلح لهذا المنصب، فأبقاه أيضا في يده، وعيّن أحد القياديين في حزبه، الدعوة، وكيلا للوزارة، ما يخالف أبسط قواعد «التوازن»، بتسليم الوزارات والأجهزة الأمنية، لحزب رئيس الوزراء، وليس للطائفة، أو بموجب التوازن.