العيش والاستقرار بجوار المقرات الأمنية والعسكرية في العاصمة السورية دمشق، بات سلاحاً ذا حدين، فبعد أن كان يستقطب الناس، كونه يوفر الأمن والأمان، نظراً لاستحالة اختراق المكان المحصن بشكل كبير، تحول هذه الأيام إلى نقمة على القاطنين إلى جوار هذه الفروع الكثيرة، والمنتشرة في أغلب مناطق دمشق الراقية.
بيد أن الهلع الذي يسيطر على السكان لا ينبع من تفجيرات غير متوقعة فقط بقرب المراكز الأمنية، بل بسبب تحول تلك المراكز بحد ذاتها مصدراً للخوف والقلق، كونها أصبحت هدفاً مشروعاً لصراع مسلح بين الجيش الحر والجيش النظامي، كما يفيد سعيد، وهو موظف في الدائرة المالية بإحدى مؤسسات الدولة، ويجاور منزله فرع ريف دمشق للمخابرات السياسية بالمزة.
ويقول سعيد إن «معارك الكر والفر تحدث بين فينة وأخرى بين الجيش الحر وقوات النظام في العاصمة ليلاً، حيث نعيش ساعات طويلة في بعض الأيام على أصوات الرصاص المتبادل بين الطرفين». ويضيف سعيد، الذي لديه ثلاثة أطفال صغار، إن «الأمر لا يشمل فقط إطلاق الرصاص الحي، بل نسمع دوي انفجارات ضخمة لا نعرف مصدرها تهز أركان المنطقة المحيطة بالفرع، وبتنا نخشى على حياتنا وحياة أطفالنا، فالمرور من أمام الفرع يشعرك بخوف من حدوث تفجير مفاجئ».
أما أبو جمعة الذي يدير مطبخاً في مطعم قريب لفرع مخابرات المنطقة التابع للأمن العسكري بدمشق في منطقة الجمارك، التي شهدت أولى تفجيرات دمشق، يشتكي من خطورة وصوله إلى العمل، بسبب تقطيع أوصال المنطقة، وتحويلها إلى ثكنة عسكرية.
ويقول أبو جمعة إنه «بمجرد نظرك بشكل غير مقصود إلى واجهة الفرع، قد تجد نفسك في أقبية السجون، والأنكى أنهم باتوا يعتقلون الأشخاص على الهوية، ويطبقون سياسة كم أفواه، فيما لو تجرأ أحد على الكلام همساً ضد النظام في الشارع».
وأبو جمعة الذي مضى عليه في العمل بالمطعم سبعة أعوام، بات يتذرع يومياً بحجج غير منطقية لتجنب النزول إلى العمل، ويقول: «أفضل البقاء عاطلاً عن العمل على الذهاب إلى المطعم، منطقة جمارك أصبحت مقطعة الأوصال من جهات عدة، والموت قد يلاحقك في أي لحظة. وحالياً أبحث عن عمل في منطقة بعيدة عن المراكز الأمنية».
أما أبو ياسين المقيم قرب مفرق القزاز بجوار مقرين أمنيين، هما فرع فلسطين وفرع الدوريات، وهي منطقة تكتظ بالسكان والمارة وتعرضت إلى انفجاريين ضخمين أسفرا عن سقوط عشرات القتلى والجرحى بداية هذا الشهر، فيقول، لقد تعمدوا إنشاء المراكز داخل المدن والأحياء. تكسر معظم نوافذ البيت المطل على الفرع من شدة قوة الانفجار الذي ضرب المنطقة، يفتعلون تفجيرات قرب المراكز الأمنية، ويذهب ضحاياها المدنيون». ويردف الرجل الستيني الذي عاش في هذه المنطقة أكثر من عشرين عاماً: «عرضت منزلي للبيع على المكاتب العقارية، أريد الانتقال إلى حي هادئ نسبياً، لا أريد أن أجد نفسي ضحية تفجيرات المباني الحكومية».
وبحسب نشطاء المعارضة، فإن الأهالي المقيمين بقرب من المقرات الحكومية، هم بمثابة رهائن بيد النظام الأمني، كون أي تحرك سلمي من قبلهم مناوئ للنظام يضعهم لقمة سائغة بيد رجال الأمن، جراء تعزيز قوات الأمن قبضتها على تلك المراكز الرئيسة، ويعد هذا الإجراء بنظر البعض واحداً من بين أسباب تأخر انخراط بعض الأحياء المعارضة للنظام في دمشق وحلب إلى الثورة.