تشي الردود الأميركية على سير انتخابات الرئاسة المصرية ونتائجها الأولى، بأن واشنطن متكيّفة سلفاً مع الوضع الجديد المقبل؛ بصرف النظر عن موقع الرئيس المنتخب وانتمائه السياسي. وقد حرصت الخارجية الأميركية على إصدار بيان بالثناء على العملية، فور إغلاق صناديق الاقتراع.
وكان من اللافت أن تعبيرات الارتياح الأميركي الضمني صدرت في اللحظة التي بدأت تتوالى فيها التوقعات والتكهنات الأولية التي رجّحت بقوة كفة مرشح الاخوان محمد مرسي وإلى جانبه عبدالمنعم أبوالفتوح وأحمد شفيق. وخلا البيان من أي تحفظ ولو أنه تضمن إشارة إلى حقوق الإنسان وضرورة احترامها. فإدارة اوباما "تدرك أن الانتخابات تشكل علامة فارقة .
وكان سبق لها أن دخلت في حوار مع الإخوان الذين وعدوا باحترام الاتفاقيات الدولية. وبالتالي فلا أرى ما يفسح المجال للحديث عن علاقات صعبة بين واشنطن والقاهرة"، كما قالت الباحثة الخبيرة دانيا غرينفيلد من مجلس أتلانتيك للدراسات في واشنطن، في ردّها على استفسار "البيان" عن ما قد تكون عليه العلاقات بعد اختيار الرئيس المصري الجديد.
لكن هذا، على جدارته، مبني على ظواهر الأمور. أما في العمق، فالمسألة ليست بهذه البساطة، حسب بعض المراقبين المتابعين للملف المصري. هي أكثر تعقيداً من حيث الحبك والإخراج وبالتالي من حيث النتائج المتوقعة. بل المرجحة، كما يراها أحد الخبراء العارفين في الشأن المصري والذي يقول ان هناك محطات لافتة في مرحلتي الترشيح والتصويت، تبدو بصمات المجلس العسكري واضحة عليها. وبالذات في ما يتعلق بالمرشح أحمد شفيق. فهذا الأخير سبق للجنة الانتخابات ان رفضت قبول ترشيحه مع عدد آخر من المرشحين. طعن هؤلاء جميعهم بالرفض.
وحده شفيق حظي طعنه بالقبول وعاد من جديد إلى حلبة المنافسة. بل أكثر من ذلك، إذ برز فجأة يوم الاقتراع في الصدارة. بعد مرسي مباشرة. مع أنه محسوب على النظام السابق المنبوذ حيث كان وزيراً ثم رئيس وزراء أواخر أيام مبارك.
ويعزى دعم المجلس العسكري غير المنظور له، إلى كونه عسكريا سابقا موثوقا، يضمن للمؤسسة العسكرية، لو فاز، دورها في السلطة التي لم تخرج عمليا من قبضتها منذ انقلاب العام 1952. دور يحفظ لها حصتها في الحكم الجديد. ورعاية شفيق لابدّ وأن تكون رافقتها عملية استنفار للقوى المناهضة للإخوان، لتعويمه وبما يكفل دفعه إلى المرتبة التي تحمله إلى الجولة الثانية في منتصف الشهر المقبل. وعند وصوله إلى تلك النقطة، يصبح الخيار محصوراً بينه وبين مرسي.
وفق هذا السيناريو، لن يكون أمام جميع الأطراف المناهضة للإخوان سوى التصويت له. بل حشد كل طاقاتها الانتخابية المفترض أنها أكبر من حجم قاعدة الإخوان، لو التقت جميعها حول منع وصول المرشح الإخواني إلى الرئاسة.
إذا سارت الأمور بهذه الصورة، تكون العملية التي أشرف المجلس العسكري على هندستها، حققت الغرض. ويكون الرئيس الجديد على تفاهم مع المجلس وعلى الإخوان أن يرتضوا بالشراكة في الحكومة. وإذا حصلت اعتراضات على النتائج، يكون عندئذ بمقدور الجيش قمعها على أساس ان الجميع دخل في لعبة الانتخابات وارتضى سلفاً بأحكامها.
لكن قد لا تكون الطريق سالكة أمام مثل هذا السيناريو. ربما تكون مصر قادمة على طور آخر من الاضطراب المديد والمكلف. احتمال تتكرر التحذيرات من إمكانية حدوثه. مع ذلك يسود في واشنطن قدر ملحوظ من الترقب المفتوح على التفاؤل، إذ "هناك أمور كثيرة لم تتوضح بعد ولغاية إجراء الجولة الانتخابية الثانية ومعرفة من سيكون صاحب القرار" كما قالت غرينفيلد.
الواضح الذي لا شك فيه ان مصر في تجربتها الانتخابية الجديدة، صوّتت لمرسي لأن التنظيم أوعز بذلك وليس من باب القناعة به. كما صوّتت لشفيق وغيره من الليبراليين فقط لسدّ الطريق على وصول الإخوان إلى الرئاسة وليس رغبة فيه. ممارسة معطوبة وإن كانت مفهومة. ومع ذلك هي أفضل من أي بديل آخر في هذا المفصل الدقيق من المرحلة الانتقالية.