توقف المراقبون عند تلويح رئيس المجلس الوطني السوري المعارض برهان غليون بالاستعداد لتقديم استقالته أو مطالبته بالاستقالة من منصبه؛ بعد التجديد له بيومين. وربطوا بين خطوته تلك والتحولات والتوجهات الأميركية الأخيرة بشأن التعامل مع أطراف المعارضة السورية. فهذه التي كانت موضع انتقادات وتأفف وتشكيك من قبل واشنطن، صارت في حسابات الإدارة، وحتى إشعار آخر؛ الخيار الأنسب للتعامل مع الأزمة. الأوراق الأخرى غير متاحة. التدخل العسكري الأميركي غير وارد لأسباب كثيرة غير مجهولة. استصدار قرار من مجلس الأمن متعذر في ضوء الفيتو المعروف. وتركيا غير متحمسة وحدها من دون الغطاء الآتي من «الناتو» والأميركي بخاصة وهذا لا توجد قابلية له في الوقت الحاضر. ثم إن خطة المبعوث المشترك كوفي أنان باتت في حكم المفلسة وكل ما يمكن أن ينتج عنها لا يتعدّى شراء بعض الوقت.
ترميم وغربلة
في ضوء هذا الواقع، استدارت التحركات باتجاه تعزيز وترميم المعارضة وربما محاولة إعادة تركيبها وربط فصائلها بصيغة متناسقة وإن بالحد الأدنى. وبدأ العمل في هذا التوجه على خطين متوازيين: رفع وتيرة الدعم الأميركي ونوعيته لأطرافها ولو بطريقة ملتوية. ومن جهة ثانية، توسيع دائرة الاتصالات لتشمل القوات العسكرية السورية المنشقة وبعض اطراف الأقليات. وسبق أن سرت معلومات في واشنطن حول وصول أسلحة «أكثر فعالية» لهذه القوات من جانب أطراف إقليمية، ساهم الجانب الأميركي في تسهيل وصولها. والمعروف أن العسكريين المنشقين ليسوا على توافق مع جماعة المجلس الوطني المعارض وبالذات مع رئيسه برهان غليون، الذي طفت أخبار الخلاف معه والتبرم منه إلى العلن أكثر من مرة. وهذا ليس سراً في واشنطن ولو ان المسؤولين الأميركيين بقوا حتى الآونة الأخيرة على مسافة واحدة من كافة أطراف المعارضة، على الأقل في خطابهم العلني. لكن بداية التعويل على هذه الأخيرة، اقتضى على ما يبدو القيام بعملية غربلة في صفوفها بغية توفير شروط التقارب بينها. استمرار شخصية خلافية، مثل غليون، في موقع قيادي، لا يساعد على جمع قوى المعارضة، وخاصة العسكرية، مع المجلس الوطني. لذلك، بدا أن مغادرته مطلوبة، وواشنطن مرتاحة ضمناً لها.
تصريحات ودعوة
وقالت الناطقة الرسمية في الخارجية الأميركية في جوابها على سؤال لـ«البيان» فيما اذا كانت استقالة غليون مركبة باعتبار أنها كشفت عن تزايد وعمق الخلافات بين قوى المعارضة، ان «الأسباب يسأل عنها غليون، وبكل حال هناك آخرون قادرون في المعارضة يمكنهم النهوض بالمهمة». وأضافت: «ما يهمنا هو أن تعمل قوى المعارضة مع بعضها».
توجه وأسلمة
وكان من اللافت أن هذا التوجه نحو المعارضة، وبالتحديد نحو طرفها العسكري، بدأ يتبلور بعد تزايد الحديث عن الحضور المتنامي للقوى الإسلامية السياسية الأكثر تنظيماً في خندق المعارضة السورية. وكأن هذا الخيار جاء في أحد جوانبه كمحاولة لضبط التوازنات داخل الصف المعارض. الملف السوري مدرج على جدولي قمتي «الثماني»، وأيضاً «الناتو» التي تفتتح اعمالها اليوم الأحد في مدينة شيكاغو. واشنطن تقول إنها متمسكة بخطة أنان التي تؤكد في القمتين على ضرورة دعمها، لكنها على الأرض تعمل في ضوء أن الخطة ولدت ميتة ولا تسمح الظروف بإعلان الوفاة في الوقت الحاضر. الخيار الذي رست عليه: «مساندة كفيلة برفع الكلفة على النظام المصرّ على الحلّ الأمني المدمر». وبين الاثنين يستمر النزف السوري.