سجّل الموقف الأميركي في الأيام الأخيرة نقلة ملحوظة، وإن جانبية ومحدودة تجاه الأزمة السورية. صحيح أنه بقي ضمن خطوطه العريضة المعروفة من حيث النأي عن التدخل المباشر والوازن فيها. لكنه وضع واشنطن على سكّة التأثير المفتوح في مسارها. فلأول مرة ترسل إدارة الرئيس باراك أوباما إشارات وتسريبات تفيد بأنها غادرت سياسة العزوف التي اعتمدتها، باتجاه لعب دور ميداني مساعد، ولو بالواسطة ومن بعيد. وهو في جانب منه تنسيقي لعملية التسليح الجارية. وفي الجانب الآخر، يقوم على البدء بمدّ الجسور مع الأقليات السورية. وقد يكون هذا الدور مرشحاً للتطوير إذا ما اقتضت الظروف، لكن ليس قبل انتخابات الرئاسة.
التسعون يوماً
لكن الإدارة انتقلت، على الأرجح، إلى هذا الطور في ضوء تصاعد الصراع على الأرض وتعثر خطة أنان، التي يبدو أنها باتت تنتظر إعلان دفنها بعد نهاية فترة التسعين يوماً، أي أواسط يوليو، التي حدّدها قرار مجلس الأمن لهذه المحاولة.
من البداية، حاذرت واشنطن ومعها «الناتو»، نقل خيار تجربة ليبيا إلى سوريا، ولا حتى من خلال دور ثانوي. والأسباب انتخابية وعسكرية وإقليمية، معروفة، وبقيت متمسكة برفض تسليح المعارضة، بزعم أن سوريا لا تحتاج في حالتها الراهنة إلى سلاح بل إلى مخرج سياسي. وكان وراء هذا الزعم تخوف من القوى الإسلامية ومن خليط المعارضة المشتتة وغير المعروفة توجهاتها.
تطورات العلاقة
وبعد التعرف على القوى المتواجدة، قررت واشنطن تزويدها بالمساعدات غير العسكرية، طبية واستكشافية ووسائل اتصالات. ثم تطورت العلاقة من اتصال إلى عقد اللقاءات على مستوى أرفع مع أقطابها، في الخارج. وبدأ التشديد على الحل السياسي يتراخى، وكذلك عدم موافقة واشنطن على دخول أسلحة إلى سوريا، بحجة أن السلاح يفاقم الوضع ويزيد من تعقيده.
وبعد قرار مجلس الأمن الأخير، وقفت واشنطن بقوة وراء خطة كوفي أنان، وكان من الواضح أنها ترمي من ذلك تقطيع فترة ثلاثة أشهر.
في الآونة الأخيرة وفي ضوء احتدام القتال وفشل مشروع أنان حتى في تأمين وقف إطلاق نار، رفعت الإدارة من نبرة خطابها، بدأ يتردّد أنها تجري اتصالات مع العسكريين المنشقين، «للوقوف على حقيقة أمرهم من حيث الجدارة والإمكانات المتوفرة في حوزتهم».
وتقول معلومات منسوبة إلى مسؤولين أميركيين كبار، بأن «كميات الأسلحة النوعية التي دخلت إلى المتمردين في سوريا مؤخراً، جرى تمريرها من خلال عملية تنسيق شاركت فيها الولايات المتحدة». وعندما سئلت الناطقة الرسمية فكتوريا نولاند عن حقيقة هذه المعلومات، جاء جوابها بصيغة ملتوية. لا نفت ولا أكّدت، وزعمت أنها معلومات مبالغ فيها، مع أنها منقولة عن لسان مصادر رسمية تعمدت التسريب كرسالة موجهة إلى اكثر من طرف، وبالتحديد إلى إيران، عشية لقاء بغداد في 23 الجاري.
رسالة للداخل
وثمة من بين المراقبين من يرى أن الرسالة أيضاً برسم الداخل السوري، لإرباك النظام. وربما لخلخلة بطانته من ناحية، وقاعدته الشعبية من ناحية ثانية.
وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى المحادثات التي أجراها مسؤولون أميركيون هذا الأسبوع مع وفد من الأكراد السوريين في واشنطن. محاولة صريحة لمدّ الجسور مع الأقليات السورية لسلخها من حول النظام أو لإخراجها من حيادها واجتذابها تالياً إلى صفّ المعارضة. كما تردّد في واشنطن أن تركيا تزمع مفاتحة «الناتو»، خلال قمته بعد غد الأحد في مدينة شيكاغو الأميركية، بالمادة 4 من ميثاق الحلف التي توجب الوقوف إلى جانبها، في أي نزاع مع سوريا.
والنقلة التي شهدها الموقف الأميركي، على محدوديتها، أثارت أكثر من تأويل، فهناك من رأى فيها محاولة لحمل دمشق على تسهيل خطة أنان، على الأقل بالحدود التي تسمح بتجديدها، بعد التسعين يوماً، والعمل بها لما بعد الانتخابات. وفي المقابل تميل معظم الدوائر المتابعة للشأن السوري إلى الاعتقاد بأن تطور موقف الإدارة ما هو إلاّ مقدمة لتصعيد سيفرضه تفاقم الأزمة التي تجاوزت نقطة العودة.
إشارة قوية
أعلن مساعد الرئيس الروسي، أركادي دفوركوفيتش، أمس أن قمة مجموعة الثماني ستبدأ بمحادثات عن سوريا وإيران، مشدداً على ضرورة أن تدعو القمة الأطراف السورية كافة إلى التصرف على نحو سلمي.