عاد الملف الفلسطيني المنسي إلى دائرة الضوء في واشنطن، خلال الأيام الأخيرة. وتضافرت تطورات ومواعيد وتحركات، فأدّت إلى استحضاره؛ بالرغم من طغيان سيرة أزمات المنطقة، على الاهتمامات الأميركية الراهنة.

فتفاقم وضع الأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام وحلول ذكرى النكبة، بالنسبة لواشنطن كانت الذكرى 64 لولادة إسرائيل، بالتزامن مع تغييرات طرأت على خارطة التحالفات السياسية في إسرائيل؛ فضلاً عن رسالة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو، والتي لم يردّ هذا الأخير عليها بعد. كله دفع بالموضوع مجدّداً إلى التداول بالخبر والتحليل. خاصة البندين الأخيرين اللذين وضعتهما إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في خانة المؤشرات الإيجابية، أو على الأقل المفتوحة على الحلحلة، حسب تصنيف المسؤولين الأميركيين.

تهليل للتحالف

وأكثر ما هلّلت له واشنطن كان التحالف المفاجئ الذي نسجه نتانياهو مع زعيم حزب كاديما شاؤول موفاز، حيث سارعت الإدارة بلسان وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون إلى تقديم التهاني لرئيس الليكود، من باب أن هذا التطور يعزّز وضع نتانياهو. كما يجعله «في موقع القوة ليدفع باتجاه السلام»، وكأن مشكلته كانت في ضعفه السياسي وإلاّ لكان قفز منذ زمن إلى قطار التسوية!.

وسارعت مفاتيح وقنوات إسرائيل في مراكز البحوث ووسائل الإعلام، هي الأخرى إلى التطبيل للتحالف لأكثر من سبب، من بينها أنه يصب في استئناف وتزخيم المفاوضات مع السلطة الفلسطينية. كما للاتفاق الذي حصل برعاية مصرية وأنهى إضراب الأسرى الفلسطينيين عن الطعام.

عوامل داخلية

لكن معظم القراءات عزت قيام الائتلاف لدوافع داخلية، منها إعادة النظر في إعفاء اليهود الأورثوذكس من خدمة الجندية وقانون الانتخاب وغيره، وربما أيضاً لحسابات إقليمية تتعلق بعمل عسكري ضدّ إيران. وإذ يشير المحللون في هذا الصدد إلى الخطوة المماثلة تقريباً التي اتخذها ليفي اشكول عشية حرب 1967، حين عمل على تشكيل حكومة ائتلافية شملت خصمه مناحيم بيغن، إلاّ أن المقارنة ضعيفة نظراً لاختلاف الظروف. في الحالة الأولى كان ضرب مصر وسوريا مطلبا أميركيا إسرائيليا مشتركا، والآن ضرب إيران لا يحظى بضوء أخضر أميركي؛ أولاً، لأن هناك حلحلة إذا لم يكن صفقة، متوقعة حول النووي الإيراني في لقاء بغداد في 23 الجاري. ثانياً، ليس في واشنطن من بين العارفين بحقائق الأمور من يرى انه بإمكان إسرائيل وحدها أن تسدد ضربة للمنشآت النووية الإيرانية من غير مشاركة أو حتى موافقة أميركية.

بانتظار انتخابات أميركا

ومثل ذلك غير محتمل على الأقل قبل انتخابات الرئاسة الأميركية. وبالتالي يبقى للتحالف غرضان: تركيب معادلة داخلية تطيل بعمر الائتلاف اليميني الحاكم في إسرائيل. وثانياً ذر الرماد في العيون من زاوية ان إسرائيل باتت على استعداد «لتحقيق مبدأ الدولتين وهي بانتظار الطرف الفلسطيني الجاد» للتفاوض معه، حسب زعم نتانياهو في مقابلة تلفزيونية أميركية معه قبل أيام. وهي اكذوبة قديمة، لكنه يعرف أنها عملة مصروفة في السوق الأميركية. والأنكى أن دوائر أميركية معروفة بانحيازها لإسرائيل، هرعت إلى مطالبة الجانب الفلسطيني بل إلى مطالبة أوباما بممارسة «الضغط على الفلسطينيين للتجاوب ووضع نتانياهو أمام الامتحان». وكأن لدى الطرف الفلسطيني ما ينبغي عليه تقديمه. أو كأن نتانياهو لم يسبق أن تملص من عديد الامتحانات وبتغطية أميركية، المرة تلو الأخرى!

تمثيلية سقيمة. وتوزيع أدوار مقيت ومملّ. صارت معزوفة مألوفة: ترمي إسرائيل بفقاعة للتدويخ. تتلقفها واشنطن للتخدير.

هذه المرة أخذت صيغة التحالف «الواعد»، والتسوية بشأن فك إضراب الأسرى المعتقلين عن الطعام. وتعرف واشنطن أن هذا لا يلبي الحدّ الأدنى المطلوب. ومع ذلك عملت منه شبه عرس مع التمني على نتانياهو أن يتكرم بالتحرك «الناشط» نحو مفاوضات واعدة. وهي تدرك أن العملية لا تتعدى ذرّ الرماد في العيون. من دون تدخلها لا أملاً ببلوغ تسوية، كما قال وردد أكثر من مرة، الخبير الاستراتيجي ومستشار الأمن القومي الأسبق في البيت الأبيض زبغنيو بريجنسكي. وفي أحسن الأحوال، ليست إدارة أوباما في هذا الوارد الآن.