بدأت آثار الانفجارات المتتالية التي استهدفت أماكن متفرقة من العاصمة السورية دمشق تأخذ مفعولها السلبي لدى السكان، وأصبح الكثيرون يجهزون حقائب سفرهم استعدادا لمغادرة البلاد مع عائلاتهم، فيما باتت حركة السيارات في شوارع العاصمة صباح أمس شبه معدومة. وبمنأى عن هوية الجهة التي تقف خلف الانفجارات مع أن أصابع الاتهام تتجه نحو النظام كونه أكبر المستفيدين، إلا أن حالات من الذهول والارتباك بدأت تظهر على نمط حياة الناس، فكابوس الموت بات يقتحم خيال كل سوري. ويرى الموظف المتقاعد أبو ميرزا الذي يعيش في حي القصاع: «دمشق لم تعد كما كانت، كل شيء تغير فيها، يشعر الناس بالخوف على حياتهم، ويلتزمون بيوتهم تفادياً لتحول أجسادهم إلى أشلاء متفحمة في تفجير مباغت». ويضيف: «كنت أرتاد كل صباح الحديقة القريبة من البيت لأنسى مناظر دماء السوريين التي تراق يومياً، لكن سلسلة التفجيرات الأخيرة، حرمتني من أن أخطو خطوة واحدة خارج المنزل أو المرور في منطقة مكتظة بالسكان».

التخلي عن الأعمال

وقد يكون مكوث أبو ميرزا في البيت أفضل حل له، لا سيما أنه يتقاضى راتبه التقاعدي الشهري عبر الصراف الآلي المجاور لبيته، لكن المأساة تكمن في حالة ياسر، وهو متزوج ولديه أربعة أطفال صغار ويقطن في حي مزة خزان: ويقول «كنت أعمل في نجارة الموبيليا في مخيم اليرموك.. تركت عملي منذ أربعة أشهر بعد الانفجارات التي استهدفت جسر الميدان على الطريق المؤدية إلى مكان عملي». ويضيف: «الناس يخافون من غدر النظام الذي يضحي بشعبه وحتى الموالين له في سبيل الحكم».

وتشير معطيات ميدانية إلى أن أكثر الشرائح المتضررة من الناحية النفسية والمادية من آثار التفجيرات، هي الشريحة التي تعمل خارج دائرة القطاع العام من الحرفيين والعمال وموظفي القطاع الخاص وأصحاب المحلات التجارية والعقارية المحاذية للدوائر الأمنية. وتبقى الشوارع بمن فيها من السكان والسيارات عرضة التحول إلى ركام في حال تمت نسفها بعملية تفجيرية في أية لحظة.

ويروي أبو نزار سائق إحدى السيارات العمومية، يعيش في منطقة قطنا الواقعة بريف دمشق التي تتعرض بدورها إلى الانفجارات: «نحن عرضة للموت في أي لحظة.. ننقل الركاب ويدنا على قلبنا، لم نعد نحتمل هذا التوتر الذي يرافقنا طيلة فترة العمل في ظل سماع دوي الانفجارات المتكررة، والأنكى أن انتشار الحواجز الأمنية والعسكرية في معظم شوارع دمشق تعرقل حركة السير وتمنع مرور السيارات لساعات طويلة». ويردف أبو نزار: «لهذا قررت المغادرة إلى الأردن مع أفراد عائلتي، لعلنا نشعر بالأمن وراحة البال في بلد غير بلدي».

المستفيد الوحيد

ولدى العودة للوقوف أمام مدبري التفجيرات، تكاد تتقارب معظم وجهات النظر بأن النظام السوري يقف وراء العمليات التفجيرية من أجل تعزيز سياسة الترهيب وبث الرعب في نفوس الناس عبر سلسلة انفجارات ضخمة تهز أركان المناطق شبهة الهادئة، لقطع الطريق على الثوار بعدم الخروج في تظاهرات عارمة المستفيدين من عامل وجود المراقبين الدوليين في سوريا.

ويقول جميل وهو ناشط في تنسيقية حي برزة «الشريحة المستهدفة بالدرجة الأولى من وراء التفجيرات هي تلك الشريحة المسماة بـ«الصامتة أو المترددة» في عدم حسم موقفها إلى الآن». ويضيف: «موقف الشريحة الصامتة يتناغم ويتفق عملياً مع طبيعة الحراك السلمي، ولو توفرت أدنى شروط للتظاهر السلمي ستخرج عن صمتها وحياديتها، وتشارك بثقلها في الحراك، وحينها سيقترب موعد ساعة الصفر، لكن النظام يدرك تماماً أن هذه الشروط قد تتهيأ بوجود بعثة المراقبين الدوليين، ولهذا يلجأ إلى سياسة التفجيرات.