الهجوم الذي تعرض إليه موكب بعثة المراقبين الدوليين إلى سوريا، والذي كان يضم رئيس الفريق الجنرال النرويجي روبرت مود، يرسل أكثر من إشارة إلى المجتمع الدولي، خاصة أن القوات الدولية وبعثاتها كانت على الدوام «مكسر عصا» الأنظمة التي تقبل بوجودها على مضض وتحاول في الوقت ذاته دفن مهمتها في رمالها المتحركة.

 ويرى مراقبون أن عملية درعا تبدو وكأنها صممت لإيقاع جرحى فقط دون قتلى على أن يراعى فيها أن تكون الإصابات في صفوف الجنود النظاميين السوريين دون فريق المراقبين، بالنظر إلى أن العبوة الناسفة فُجرت في مقدمة الموكب، أي باستهداف العربة التي كانت تقل عسكر قوات النظام، ما يشي بأن الهجوم كان مجرد رسالة تحذيرية قد تليها رسائل أخرى أكثر «صرامة» إن تطلب الأمر.

هجمات «يونيفيل»

وللقوات الدولية في المنطقة تاريخ من العلاقات المتوترة والاتهامات والشكوك المتبادلة مع النظام السوري، خاصة بعد اندلاع الثورة منذ أكثر من عام، وقبل ذلك إبان فترة «العزلة الدبلوماسية» بين عامي 2005 و2008.

فقوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان، والمسماة اختصاراً «يونيفيل»، تعرضت إلى عدة هجمات خلال 2011، آخرها نال مطلع العام الجاري جنوداً فرنسيين عاملين ضمنها، ما أدى حينها إلى إصابة خمسة منهم بجروح، الأمر الذي استدعى اتهاماً صريحاً من وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه، الموصوم من قبل النظام السوري بـ«الذاهب إلى مزابل التاريخ»، بتورط دمشق في العملية سواءً بشكلٍ مباشر أو عبر حزب الله، الذي وصفه بـ«جناحها العسكري». وفي يوليو الماضي، أسفر انفجار في مدينة صيدا عن جرح ستة جنود فرنسين، بينما نجم هجوم قبل ذلك بشهرين عن إصابة ستة جنود من الكتيبة الإيطالية.

وأواخر العام الماضي، هز انفجار مدينة صور أدى إلى وقوع أضرار مادية. واستهدف الانفجار فندق «اليسا كوين» الذي يضم ناديا ليليا يرتاده أجانب يعملون في قوات الطوارئ الدولية. وقبل بضعة أعوام، نشبت أزمة دبلوماسية بين اسبانيا وسوريا على خلفية تهديد رئيس الاستخبارات العسكرية آنذاك، وصهر الرئيس الحالي، آصف شوكت بضرب الكتيبة الإسبانية بسبب تسليم مدريد رجل الأعمال وتاجر السلاح السوري المعروف منذر القصار إلى الولايات المتحدة، أو «أخينا»، بحسب ما وصفه شوكت في مذكرة بعثها إلى نظيره الاسباني.

مؤكداً في لقاء مع وزير الخارجية الاسباني الأسبق ميغيل انخيل موراتينوس ان الولايات المتحدة «ليست الجهة التي تضمن حماية الكتيبة الاسبانية المنتشرة في جنوب لبنان»، علماً أن قرابة 1100 جندي اسباني ينتشرون في اطار قوة «يونيفيل». وقتل ستة من هؤلاء في 24 يونيو 2007 في اعتداء نفذه مجهولون حامت الشبهات حول تورط «حزب الله» فيه.

تيار وتقرير

كما أن النظام نجح، بشهادة ناشطي الداخل ومقربين منه، في اختراق صفوف بعض الجنود المنشقين من جهة وتشكيل مجموعات مسلحة «شبحية» هدفها تشويه صورة «الجيش الحر» امام الرأي العام السوري. والمجموعات «الشبحية»، ليست ميليشيات «الشبيحة» الموالية للدولة بطبيعة الحال، بل هي حركات يلفها الغموض تعمل خطفاً وقتلاً في عدة مناطق من سوريا، بهدف تأليب المجتمع على الحراك الاحتجاجي.

ومعروفة بتوليها «المهام القذرة» التي تحاول كتائب الجيش النظامي وقوات الأمن تجنب تنفيذها أمام أعين العالم، مثل ما يسمى «تيار الأمير» الذي يوصف بأنه «أكثر راديكالية» من «الشبيحة»، بحيث أسندت إليه مهمة «التطهير الطائفي» للمناطق الفاصلة بين الداخل والساحل.

وعليه، فإن حالة الفوضى التي تسود سوريا بسب زج أجهزة الدولة في معركة ضد الشعب، تجعلها بيئة خصبة لتلك الحركات، دون نسيان أن النظام السوري لطالما اعتُبر «عراب» مثل تلك التنظيمات، وأجهزته الاستخباراتية «مفرخة» لها، مع ملاحظة أن عملية درعا تنم على حقيقة سوداء بانتظار المراقبين الدوليين وهي أن أمنهم الشخصي بات على المحك كنتيجة منطقية لفشل «اختراق» الجنرال مود الذي سيكون تقريره مختلفاً عن سلفه الفريق مصطفى الدابي.