توضع الحكومة السورية باستمرار في موضع الاتهام على سلوكها التضليلي في نشر الأرقام والمعلومات غير الدقيقة في معدلات القضايا والظواهر الاقتصادية والاجتماعية. ومع دخول الانتفاضة في شهرها الرابع عشر، تلوح في الأفق ارتفاع نسبة البطالة بين الفئات العمرية المختلفة بشكل غير مسبوق بناء على المعطيات الميدانية، ورصد مؤشرات الواقع الاقتصادية في سوريا. وقد يرد البعض أسبابها للوهلة الأولى إلى الحصار الاقتصادي المفروض على النظام وإغلاق العديد من المنشآت نتيجة فرض القيود على حركة التصدير إلى الخارج.
ملاحقات وتدمير
وعليه، تذهب أصابع الاتهام بالدرجة الأولى في ارتفاع أسباب ظاهرة البطالة بين فئة الشباب إلى الملاحقة الأمنية والعسكرية للناشطين وكل الثائرين ضد نظام بشار الأسد، حيث أصبح معظم الشباب الناشطين إما متوارين عن الأنظار خوفاً من تصفيتهم أو مسافرين إلى خارج سوريا، فخسروا بذلك أعمالهم ولم يعودوا يملكون أي مورد، يضاف عليهم نزوح قرابة مليون شخص إلى الداخل والخارج فضلاً عن تدمير آلاف من المحلات والمنشآت التجارية وسرقة محتوياتها.
ويقول سليم، 34 عاماً، وهو ناشط من مدينة داريا بريف دمشق لم يكن يملك سوى محل صغير للأثاث المنزلي لإعالة عائلته المؤلفة من خمسة أفراد: «تم تدمير المحل بشكل كامل من قبل الشبيحة وقوات الأمن منذ تسعة أشهر ونهب كل الأثاث فيه بذريعة مشاركتي في تنظيم التظاهرات التي تخرج في داريا». ومنذ ذلك الحين، يتنقل سليم بين أحياء دمشق وريفها تفادياً للوقوع في أيدي الأجهزة الأمنية، حيث تشتت عن عائلته وفقد عمله.
أرقام وآثار
وتشير بعض المصادر غير الرسمية من داخل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إلى أنه منذ انطلاقة الثورة السورية وصل نسبة البطالة إلى أعلى معدل له 35.8 في المئة بين الفئة العمرية من 15 إلى 24 عاماً.
وقد يكون هذا الرقم غير مبالغ فيه، بحسب بعض المراقبين، طالما أن صحيفة «الوطن» شبه الرسمية ذكرت أنه تم تسريح أكثر من 85 ألف عامل خلال عام الثورة، حيث أغلقت 187 منشأة من القطاع الخاص بشكل كامل حتى شهر فبراير الماضي.
ومن آثار ما خلفته الحل الأمني والعسكري حيال الثوار إصابة العديد بإعاقات دائمة تمنعهم من القدرة على ممارسة أي عمل أو نشاط. وبترت ساق أبو شادي اليمنى في إحدى المستشفيات الميدانية بحمص، بعدما انهالت عليه قذيفة الهاون وسط حقله الزراعي في بلدة الحولة. ويقول أبو شادي: «لم أعد استطيع العمل في الحقل، لأن الزراعة تتطلب قوة وعزما في الساقين، خاصة في طريقة سقاية الأرض وزرعها». ويعيش أبو شادي مع عائلته على بعض المساعدات التي تأتي من أهالي بلدة التل بريف دمشق بعدما نزح من الحولة تاركاً حقله مدمراً تحت نيران القوات الموالية للنظام.
شريحة أخرى
ويضاف إلى هذه الفئة شريحة المعتقلين التي وصلت تعدادها إلى 70 ألف شخص. ويروي ضياء الذي كان يعمل في دائرة حكومية مأساة فقدان عمله بعدما أفرج عنه قائلاً: «طلبوا مني إحضار ورقة من المخابرات كشرط لإعادته إلى العمل بعد سجن دام لمدة 5 أشهر بتهمة التحريض على التظاهر، والتعاون مع أعضاء اللجان التنسيق المحلية في حي برزة بدمشق وبذلك خسرت عملي أمام هذا الشرط التعسفي». وبذلك، ظهر نوع جديد من البطالة في معاقل الثورة أطلق عليه مسميات عديدة كبطالة «المدفع والدبابة»، في إشارة واضحة لما تفرزه نتائج العمليات العسكرية ومحاصرتها المدن على حياة العاملين والسكان معاً.