بعد مضي أكثر من عام على تفجّر «الربيع العربي» في عدة دول عربية، انقلبت آراء الشباب العربي حيال مسائل كثيرة ظلت لأعوام عدة تسيطر على تفكيرهم، بحسب ما أظهر استطلاع أجرته شركة «أصداء بيرسون مارستيلر» لآراء الشباب العربي حول مفاهيم تضمنت سبل العيش والسياسة والثقافة، حيث أظهرت نتائج الاستطلاع لـ«رأي الشباب العربي» أن الأولوية الكبرى تتمثل في «الحصول على الأجر العادل وامتلاك المنزل الخاص»، متفوقة بذلك على التوق إلى الديمقراطية على عكس نتائج الاستطلاعات الثلاث الماضية، في حين كان من اللافت اعتبار غالبية الشباب العربي الإمارات نموذجاً للعيش وقدوة متمناة.
وبدت الإمارات العربية المتحدة الدولة النموذج للعيش في عيون الشباب العربي، إذ اتفق 33 في المئة من المشاركين في استطلاع شركة «أصداء بيرسون مارستيلر» الذي أجري في 12 دولة عربية، على أن الإمارات تعد دولة نموذجية للعيش فيها أكثر من أي دولة أخرى، فيما حلّت فرنسا في المرتبة الثانية بنسبة 17٪، تلتها الولايات المتحدة وتركيا بنسبة 16 في المئة لكل منهما، ومن ثم السعودية بنسبة بلغت 14 في المئة.
قدوة وتنمية
وبسؤال المستطلعة آراؤهم عن الدولة التي يعتبرونها نموذجاً يحتذى، حلّت الإمارات في المرتبة الأولى بنسبة 40٪، تلتها تركيا بــ28 في المئة، وثم المملكة العربية السعودية 18٪.
وحلّت الإمارات في المرتبة الأولى على صعيد التنمية والتطوير، إذ اعتبر 27٪ من المستطلعة آراؤهم، أنها تمثل نموذجاً يحتذى به، فيما اعتبر 36 في المئة من الشباب الليبي أن الإمارات هي النموذج الأمثل على مستوى التنمية والتطوير.
وأبدى 84 في المئة من الشباب الإماراتي ثقته بقدرة وإمكانيات الإمارات على المنافسة في الساحة الدولة، فيما أكد 80 في المئة من الشباب الليبي ثقتهم بقدرة بلدهم ليبيا على المنافسة عالمياً، فيما حصلت سلطنة عمان والسعودية على نسبة 68 في المئة. وجاءت الإمارات الأكثر تفضيلاً للعيش بالنسبة للشباب اللبناني، بنسبة 43 في المئة، الأمر الذي انسحب على الشباب المصري، إذ أبدى 38 في المئة منهم رغبتهم بالعيش في الإمارات، في حين فضّل 28 في المئة العيش في السعودية وتركيا. في المقابل، بدا 50 في المئة من الشباب السعودي أكثر اهتماماً بأن تكون دولتهم مثل الإمارات، مقابل 48 في المئة من الليبيين.
وذكر الشباب العربي دولاً أخرى كنماذج إيجابية للتنمية والتطوير شملت الولايات المتحدة والصين وفرنسا وألمانيا وتركيا والمملكة المتحدة التي حلت في المرتبة الأخيرة.
الأجور والديمقراطية
وفي سياق آخر، أشارت نتائج الاستطلاع إلى أن الحصول على أجر عادل بات يشكل الأولوية القصوى لـ82 في المئة من أصوات الشباب المستطلعة آراؤهم، والذين أشاروا إلى أنه لم يعد أمراً بالغ الأهمية فحسب، بل أولوية قصوى على المستوى الشخصي.
في الوقت ذاته، تراجعت نسبة الأصوات القائلة إن العيش في بلد ديمقراطي أمر «بالغ الأهمية» بمعدل 10 في المئة مقارنة بالعام الماضي، إذ اكتفى 58 في المئة من الشباب العربي بتأكيد أن الأمر يعد «مهماً للغاية» مقابل 68 في المئة خلال 2011.
وأبرزت النتائج كذلك أن أبرز مخاوف 63 في المئة من المستطلعة آراؤهم كان «ارتفاع تكاليف المعيشة»، بما يزيد على نسبة 57 في المئة العام الماضي، حيث كشفت الاستبيان أن «41 في المئة من الشباب العربي يرى أن غياب الديمقراطية يمثل أهم المعوقات التي تواجه المنطقة»، فيما قالت نسبة معادلة إن النزاعات المدنية «تشكل العائق الأكبر».
حكومات شفافة
ويشير الاستطلاع إلى أن ثلاثة أرباع الشباب العربي يعتقدون أن حكومات بلدانهم «أصبحت أكثر موثوقية وشفافية منذ بدء أحداث الربيع العربي»، معربين في الوقت ذاته عن «قلق بالغ بسبب ارتفاع نسب الفساد». كما يؤكد أيضاً إجماع 72 في المئة من الشباب العرب على أن «المنطقة أصبحت أفضل حالاً بعد الربيع العربي»، في وقت أكد 68 في المئة منهم أنهم أضحوا «أفضل حالاً على المستوى الشخصي مقارنة بالعام الماضي».
أخبار وقيم
ويذهب استطلاع آراء الشباب العربي 2012 إلى ازدياد اهتمام الشباب بمتابعة الأخبار بعد مرور عام على الربيع العربي، إذ أكد 52 في المئة من المستطلعة آراؤهم حرصهم على البقاء مطلعين على الأخبار والمستجدات يومياً، مقارنة بـ 18 في المئة فقط العام الماضي، فيما ظفر التلفاز بمنصب أهم مصادر الأخبار للشباب العربي، إذ قال 62 في المئة من المشاركين إنهم يعتمدون على القنوات التلفزيونية، للبقاء مطلعين على آخر المستجدات في العالم، وهو تراجع ملحوظ عن نتائج العام الماضي البالغة 79 في المئة، مع تأكيد 61 في المئة على اهتمامهم بمتابعة المدونات مقارنة بـ29 في المئة فقط خلال 2011.
ووفقاً لنتائج الاستطلاع ترى غالبية الشباب في منطقة الشرق الأوسط أن القيم التقليدية تظل ذات أهمية كبيرة في حياتهم، فيما ازدادت نسبة من يعتقدون أن هذه القيم «أصبحت بالية ويجب استبدالها»، وإن كانت النسبة الأقل.
قلق الغلاء
وخلال الكشف عن نتائج الاستطلاع في فندق «العنوان داون تاون» في دبي، قال رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي في «مجموعة ميناكوم»، الشركة الإقليمية الأم لـ«أصداء بيرسون مارستيلر»، جوزيف غصوب إنه «من الضروري خلق 50 مليون وظيفة جديدة، إذ إن المنطقة تضم 200 مليون شاب»، مردفاً القول: «أصبحنا مدركين بعد مرور 18 شهراً على الربيع العربي أن الشباب في الشرق الأوسط ملتزمون تماماً ببذل كل جهد ممكن لبناء مستقبل أفضل»، ومستطرداً: «في حين أبدى هؤلاء الشباب قلقاً حقيقياً حيال ارتفاع تكاليف المعيشة وامتلاك المساكن الخاصة على سبيل المثال، إلا أنهم عبروا في الوقت ذاته عن تفاؤل كبير بالمستقبل، ويسرنا أن نرى نظرة الشباب نحو المستقبل حافلةً بالأحلام والتطلعات والطموحات الكبيرة».
شباب مختلف
وتعليقاً على نتائج الاستطلاع، أكد الرئيس التنفيذي لــ«بيرسون-مارستيلر» في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا جيرمي جالبيرث، أن نتائج الاستطلاع «تتجلى في المؤهلات الكبيرة التي يتمتع بها الشباب العربي من حيث مشاركته في القضايا الراهنة واستخدامه الفعال للتقنيات الحديثة وآماله وتطلعاته العقلانية لمرحلة ما بعد أحداث الربيع العربي»، مضيفاً: «يعتمد استطلاع أصداء بيرسون-مارستيلر لرأي الشباب العربي على رؤى الشباب والشابات العرب سواء في المدن الحديثة الغنية في منطقة الخليج، أو المناطق الريفية في المشرق العربي وشمال أفريقيا، ليقدم براهين مستندة على أدلة ملموسة، هي في غاية الأهمية بالنسبة لجميع المعنيين بمستقبل هذه المنطقة الشابة التي تشهد نمواً متسارعاً».
أشمل الاستطلاعات
بدوره، قال الرئيس التنفيذي لشركة «أصداء بيرسون-مارستيلر» سونيل جون: «نعمل منذ عام 2008 على إعداد أكبر وأشمل استطلاع لرأي الشباب العربي في المنطقة، والذي يتضمن استقصاء الآراء وتحليل البيانات ومشاركة نتائجها المهمة مع مختلف المعنيين من الحكومات وشركات القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني على حد سواء». وأردف: «لهذا السبب، نحرص على المضي قدماً في هذا الاستثمار الفكري الرائد سنوياً، وهو استثمار كبير في الوقت والجهد ورأس المال، لنقدم نتائج الاستطلاع لكل المعنيين والمهتمين، لأننا ندرك تماماً أهمية توافر المعلومات الموثوقة في الشرق الأوسط، التي ما زالت فيها الأبحاث المتعلقة بالرأي العام محدودة للغاية».
وأضاف جون أن «استطلاع هذا العام يقدم مجموعة غنية ومتنوعة من المعلومات التي تسهم في رسم ملامح الرأي العام، وإثراء عمليات وضع السياسات المتعلقة بالشباب في المنطقة، نحن فخورون بتقديم هذه المساهمة للمجتمع العربي ولعملائنا الذين تزداد ثقتهم فينا يوماً بعد الآخر».
