يرى محللون أن تجار دمشق وحلب أدركوا أخيراً أن الثوار لن يتراجعوا عن هدفهم الرئيسي في إسقاط الأسد، بعد أن أصبحت تجارتهم وأعمالهم شبه متوقفة في الداخل والخارج، وخاصة تجميد الكثير من الشركات النشاط التجاري مع سوريا للضغط على التجار الذين يمولون السلطة لكي يقفوا مع الثوار. وبناء عليه، قرر معظم تجار دمشق وحلب تقديم يد العون والمساعدة للثوار على الأرض خلسة من أجهزة الأمن للإسراع في عملية إسقاط النظام.
وتشير المصادر القريبة من النظام إلى أن انقطاع العلاقات بين سوريا والدول العربية كان له انعكاسات مباشرة على العلاقات التجارية بين سوريا وهذه الدول، لا سيما أن السعودية وحدها تستقطب خمسة في المئة من الصادرات السورية، كما أنها في طليعة الدول المزودة عبر تأمينها نحو 11 في المئة من الواردات السورية.
تأييد ضمني
ويقول أبو سامر وهو تاجر من مدينة حلب ويملك معملاً لصناعة الزيت والزيتون، إن معظم التجار في حلب باتوا يؤيدون الحراك الثوري ضمنياً، ويقومون بإرسال المساعدات المالية إلى المدن المنكوبة لأنهم أدركوا أن السلطة لا همّ لها سوى التشبث بالحكم وإطلاق الشعارات الرنانة التي توحي بأن الأزمة «خلصت»، في الوقت الذي تتفاقم فيه الأزمة يوماً بعد يوم والاقتصاد يتدهور ويصل إلى مستويات مخيفة دون الشعور بأن الأزمة انتهت فعلاً.
ويرى أبو سامر أن تجارته تعطلت بعدما توقفت حركة تصدير الزيتون بأنواعه إلى الأسواق الخليجية ويقول إن النظام مارس أشد الأساليب التعسفية بحق مدينة إدلب المشهورة بزراعة الزيتون في البلاد، وعلية توقف معظم المزارعين عن العمل، مما أثر بشكل كبير على إنتاج المعمل، فضلاً عن توقف حركة التصدير البري عبر الشاحنات إلى الدول الخليج بعد العقوبات التي فرضتها تلك الدول على النظام السوري.
تغيير الولاء
ولا يختلف حال الطبقة التجارية في دمشق عما يجري في حلب. فبعد أن تزايد أعداد النازحين في دمشق وريفها إلى مئات الآلاف ظهرت علامات واضحة تشير إلى أن ولاء التجار بات لهؤلاء المنكوبين والمنتفضين عبر تقديم المساعدات. ويقول أبو أيهم صاحب أحد معامل إنتاج الأطعمة، ويوزع يومياً على المنكوبين المساعدات الطبية والغذائية، إن صادرات شركته تراجعت 50 في المئة إلى الأسواق الخليجية، بسبب توقف أغلب المعامل ومراكز الإنتاج في المناطق التي يستهدفها النظام، موضحاً أن «أغلب المعامل المنتجة التي تتعامل معها الشركة توجد في المناطق الزراعية والريفية التي تشهد اضطراباً، ما جعل عدداً كبيراً منها تجمد نشاطها، بسبب مخاطر العمل، وصعوبة الشحن».
ويشار إلى أن التجار الذين يدعمون الثوار في الداخل لا يكشفون عن هويتهم الشخصية خشية الاعتقال أو القتل، لكن في الوقت الذي تمنع السلطات السورية أي دعم خارجي وإغاثي عن المنكوبين كان لا بد أن يتحركوا خلسة لدعم المنكوبين.
نشاط إغاثي
ويقول ثائر وهو ناشط في لجان التنسيق المحلية، والذي ينسق مع التجار من أجل إيصال المعونات إلى النازحين في ريف دمشق إن «تجار دمشق تنشطوا في الفترة الأخيرة لدعم الثوار وباتت مواقفهم أقرب إلى الثورة، وهؤلاء يفضلون حالياً سقوط النظام بأسرع وقت ممكن بعد أن توقفت معظم أعمالهم ومصالحهم». ويردف ثائر القول إن «مجموعة من التجار في حي الميدان بدمشق والذين يملكون معامل للألبسة والأطعمة يجهزون يومياً مئات من الصناديق الإغاثية والغذائية والمستلزمات الطبية ليتم توزيعها على معظم العائلات المنكوبة والنازحة بريف دمشق، وبهذا أصبحوا عملياً من مؤيدي الثورة».
موارد تمويلية
وبحسب المعطيات الميدانية، يأتي سخط التجار بالدرجة الأولى من تبني النظام السوري الحل الأمني والعسكري ضد شعبه وتسخير معظم الموارد التمويلية بما فيها احتياطي ميزانية الدولة لصالح حملته ضد الثوار، مما وضع الاقتصاد في البلاد على شفة الانهيار، ويقول أحد المنتسبين إلى غرفة التجارة بدمشق ورفض الكشف عن اسمه إن «النظام فشل في لجم الحركة الاحتجاجية التي تضرب بالبلاد، وبعد أن سالت أنهار من الدماء في معظم المحافظات السورية أصبح خط الرجعة بالنسبة للمنتفضين شبه مستحيل، وهو ما غير معه المزاج العام في الغرف التجارية وباتوا يبحثون عن وسائل ما لكف الدعم عن نظام آيل للسقوط».
تحرك التجار
يرى عضو غرفة التجارة بدمشق بسام ملك، وهو عضو في هيئة التنسيق الوطنية المعارضة، أن «الحال الذي وصل له الاقتصاد في البلاد كان عاملاً حاسماً في الضغط على مواقف الطبقة التجارية بشكل كبير، وفي الأيام القليلة المقبلة سوف نشهد اجتماعاً بين أعضاء الغرف التجارية للبحث عن آليات وحلول جديدة تهدف إلى وقف تدهور الحالة الاقتصادية بعيدة عن الخطط الحكومية، ومن الممكن أن تفضي إلى نتائج كبيرة قادرة على تغير ميزان القوى في الصراع الدائر بين السلطة والمنتفضين في الشارع».