الصراع على هوية أوروبا وطابعها الديمغرافي ومستقبلها الثقافي والاجتماعي اشتعل بشكلٍ علني في أكثر من بلدٍ أوروبي. فبعدما استقبل الأوروبيون موجات المهاجرين القادمين من الشرق والجنوب إثر الحرب العالمية الثانية بهدف بناء ما دمر، أضحى هؤلاء، في العقد الأخير، يشكلون عبأً ثقيلاً على جيب المواطن الأوروبي وأمن شوارع المدن التي يسير فيها من أثينا حتى ستوكهولم مروراً ببرن وبروكسل وأوسلو.

استهل الفرنسيون المعركة قبل أعوام بطلقة مدفع أثارت العالم الإسلامي لكنها ما لبثت أن عادت إلى جحرها بالتأكيد على أن قرار منع الرموز الدينية ليس موجهاً ضد الحجاب أبداً بل هو أمر خاص بدولة علمانية خالصة مثل فرنسا.

وقبل نحو عامين ونصف، ضرب السويسريون استباقياً وصوتوا، مستغلين ديمقراطيتهم المباشرة الفريدة من نوعها، لصالح منع بناء المآذن معلنين بتلك الخطوة أن بلدهم، الذي اشتهر بسرية حساباته المصرفية، اضطر إلى الكشف عن أرصدة مخبأة في النفوس ترى في المآذن رمزاً يسعى إلى الهيمنة على أرض الأجبان والساعات وقلعة الليبرالية الغربية. وكرت السبحة مع قانون منع النقاب في فرنسا وبلجيكا وأجزاء من اسبانيا وغير بلد أوروبي مثل هولندا والدنمارك والسويد.

 

اليمين يكسب

ويبدو أن اليمين الأوروبي يكسب يوماً بعد يوم مزيداً من الأرضيات بفضل البرنامج الذكي الذي يقدمه إلى الناخب بطريقة تخاطب عقله المرهق من الضرائب والبطالة والأزمات المالية والخوف من المجهول، وبشعارات تمس صميم الهوية الأوروبية المتحررة التي دفع الأوروبيون ثمنها غالياً إبان معاركهم مع الكنيسة قروناً خلت.

وبنظرة خاطفة إلى الإحصائية التي تقول إن طفلاً أوروبياً من كل ثلاثة سيولد لأبوين مسلمين بحلول العام 2025، لن يتجشم المتابعون عناءً كبيراً لفهم منحى الصدام الآخذ بالتعاظم بين الأوروبيين وأولئك الوافدين الجدد. وحينما فاز جان ماري لوبن بالدورة الأولى للانتخابات الفرنسية العام 2002، اعتقد كثيرون أن الأمر لا يعدو عن كونه «طفرة».

لكن، حينما تنال ابنته مارين نسبة 18 في المئة في استحقاق 2012 الرئاسي وتصبح «بيضة القبان» لمن سيظفر بالفوز بالدورة الثانية، فإن الأمر يستحق التوقف عنده فعلاً، خاصةً أن فوزها ذاك جاء على أرضية نقاشات من قبيل «غزو اللحم الحلال متاجر باريس» و«إجرام الجزائري محمد مراح»، منفذ هجمات تولوز الإرهابية، التي استثمرت لتأجيج المشاعر ضد المسلمين.

أما في النرويج، فإن الجميع صعق لتصدرها نشرات الأنباء بفضل مجزرة اندرس بيرينغ بريفيك الذي لم يتأثر خلال جلسات محاكمته سوى حينما عرض عليه شريطه المصور المسجل الذي يحذر فيه من الغزو الإسلامي لبلاده الهادئة.

 

جوهر المشكلة

والحال، أن جوهر المشكلة يكمن في أمرين لا ثالث لهما. الأول، يتلخص في الفشل الذريع للحكومات الأوروبية المتعاقبة في سياسة دمج، وليس صهر، المهاجرين الذين تزوجوا وأنجبوا وقدموا إلى مجتمعاتهم الجديدة جيلين على الأقل. فكانت النتيجة تناسل الـ«غيتوهات» المتناثرة في أحياء بروكسل وأثينا وباريس وغيرها من المدن الأوروبية، يسافر الزائر إليها عبر الزمان والمكان عائداً إلى الأحياء العشوائية في شوارع المدن العربية الفقيرة.

وتالياً، أنجبت تلك الـ«غيتوهات» أناساً مهمشين ناقمين على محيطهم ضائعين بلا هوية انتهى الأمر بنفرٍ منهم إلى أحضان الحركات الإسلامية المتطرفة التي لعبت على وتر الفسطاطين ووجدت فيهم غنيمةً سهلة، خاصة لامتلاكهم جوازات سفرٍ تسهل لهم المرور عبر المطارات، الأميركية منها على وجه التحديد.

لم تقدم الكثير من الحكومات الأوروبية خططاً فعالة ليتكامل المسلمون مع أبناء وطنهم، بل تركت الحبل على الغارب ليتصرفوا كيفما اتفق من مبدأ عدم التدخل بحرية الفرد الشخصية، وغضت الطرف عن الهوة التي ما فتئت تتعمق حتى تكاد تتحول إلى ثقبٍ أسود. وحدها ألمانيا شذت عن القاعدة ونجحت إلى حدٍ ما في استيعاب المهاجرين على النسق الألماني الرصين والهادئ الذي لا يعرف الكلل.

أما السبب الثاني لمعضلة المسلمين في أوروبا، فهو أن هؤلاء فشلوا بدورهم، وبامتياز، في الاندماج حتى على المستوى الفردي، إن كان الجمعي أجهض رسمياً من قبل الحكومات الأوروبية. المأساة المؤسفة هي أن يرى الأوروبيون بين ظهرانيهم كل معاني الفوضى ومؤشرات عدم الإحساس بالمسؤولية من قبل نسبة كبيرة من المهاجرين، بمن فيهم المسلمون، حتى أضحى هؤلاء الفوضويون يشكلون النسبة الغالبة إن لم يكن رقمياً فعلى الأقل حضورياً.

فمن عدم تكلم لغة البلد الأصلية والتهرب الضريبي والاكتفاء بالعيش على معونات البطالة التي تقدمها الدولة مروراً بالتحول إلى قنابل موقوتة تنسف محطات المترو في بلدان فتحت ذراعيها لمن هرب من الاضطهاد أو الفاقة، وليس انتهاءً بامتهان كل ما هو غير قانوني حتى بات ثمانية من كل عشرة سجناء من المهاجرين، ما استدعى بعض الدول في الاتحاد الأوروبي إلى استئجار سجون من نظيراتها، يرسم المهاجرون المسلمون بتلك الممارسات صورةً قاتمة لأنفسهم بطريقة أضعفت موقفهم وأحرجت من يجهدون لرفع حيفٍ وقع هنا أو هناك.

ثم جاءت ثالثة الأثافي أو رابعها لربما بالاشتباك مع السكان الأصليين في ما يخص الكثير من المفاهيم والعادات الاجتماعية التي تبدو من المسلمات بالنسبة للأوروبيين الذين يجدون من الصعوبة بمكان هضم «النقاب»، المختلف عليه إسلامياً، أو تقبل دعوات فصل النساء عن الرجال في وسائط النقل العامة والمدارس والجامعات، أو حتى استيعاب مبررات «جرائم الشرف» التي يختص بها بعض المسلمين غير العرب في أوروبا أكثر من غيرهم.

 

الحالة السويسرية

ولطالما افتخر السويسريون بحياد بلادهم الذي جنبهم ويلات حروب القارة الأوروبية. وعليه، أبقوا أنفسهم أحياناً كثيرة على مسافة من نظرائهم الأوروبيين فلا هم انضموا إلى الاتحاد الأوروبي ولا إلى عملته المترنحة اليورو.

ورغم أنها أرض مغلقة، أي لا منفذ بحرياً لها، نجحت سويسرا في أن تكون حلقة الوصل بين العمالقة الثلاثة في القارة: ألمانيا وفرنسا وإيطاليا إلى درجة تفوقت فيها عليهم وأصبحت مقصداً مالياً وسياحياً وعلمياً. ومع ما يشاع عن خصوصية طباع السويسريين، يجد الزائر إلى هناك شعباً يجمع ما بين بساطة الريف ورقي المدينة اعتاد منذ عقود على استقبال الأجانب، فهو نفسه مكون من خليط شعوب تتكلم الألمانية والفرنسية والإيطالية.

وإمعاناً في التفرد، أسس السويسريون نظاماً ديمقراطياً مباشراً يكفل لأي شخص أن يتقدم بمبادرة شعبية، يطلب من خلالها إلغاء أو سن أو تعديل قانونٍ ما، يتوجب أن تنال توقيع مئة ألف مواطن لكي تتحول إلى استفتاء يتم التصويت عليه وطنياً ليصار إلى اعتماده قانوناً إن وافق عليه أكثر من نصف المصوتين.

وحري القول إن قادمات الأيام أوروبياً ستحمل في جعبتها مفاجآتٍ سياسية وتشريعية يخشى معها اندلاع حرب شوارع سوداء أسوأ بأشواط من تلك التي وقعت قبل أعوام في عاصمة النور. فالمسلمون في سويسرا متيقنون بأنهم مستهدفون ومكرهون، وإن وحدها القوانين، التي تسعى بعض الأحزاب السياسية إلى تغييرها، تحميهم. وأبناء عقيدتهم في بلدان أوروبية أخرى غاضبون مما يعتبرونه تجاهلاً لدورهم في بناء مجتمعاتهم الجديدة واستعلاء من قبل مستعمريهم السابقين، على نمط إقرار البرلمان الفرنسي قانوناً بسحب الجنسية فورياً من مكتسبها في أقل من عشرة أعوام إن هو دين بقتل رجل أمن أو إطفاء. إذاً، الأمور تبدو وكأنها تتجه نحو مزيدٍ من التوتر السياسي والتصادم الثقافي أو الحضاري.

حيث تفوح رائحته أكثر فأكثر حتى باتت تزكم الـ«غيتوهات» وأروقة المجالس التشريعية الأوروبية على حدٍ سواء مع رؤية عقارب الساعات السويسرية، التي اشتهرت بدقتها، وهي تدور عكسياً هذه المرة، لتدق في أوسلو مع سفاحها المشهور، الذي يخشى أن يُستنسخ في مدن أوروبية أخرى.

حوار الطرشان

يعرف عن السويسريين أنهم ألفوا صناديق الاقتراع التي يتوجهون إليها ثلاث أو أربع مرات أحياناً كل عام للإدلاء بأصواتهم. ولقد ولدت مبادرتا حظر المآذن والنقاب من رحم ذلك النظام اللامركزي المعقد بعدما بادر نواب من حزب «الشعب السويسري» اليميني إلى تبني تلك الفكرة التي طبخت على نار هادئة وقدمت على طبق الممارسات الخاطئة من الوافدين الجدد.

ويحسب للدولة السويسرية تمكنها من تحجيم ظاهرة الـ«غيتوهات» المستفحلة في لندن وباريس وبروكسل تحديداً وذلك ببرامج سخية وفكر علمي منع المهاجرين من الانزلاق إلى العزلة عن بقية المجتمع. أما المسلمون هناك، فيتمتعون بكافة حقوقهم، الدينية منها على وجه الخصوص، بما تشمله من إقامة مصليات في المؤسسات العامة، المدنية والعسكرية، ونيل الإجازات في عيدي الفطر والأضحى مثلاً. وفيما كان المسلمون يستعدون للمطالبة بجعل الإسلام الديانة الرسمية الثالثة في البلاد بعد المسيحية واليهودية، جاءت مبادرتا حظر المآذن والنقاب لتنسف جهودهم وتعيد مخططاتهم إلى المربع الأول.

ويلحظ المرء بسهولة لدى محاورته طرفي النقاش، رغم عدم استفحال مشكلة المهاجرين في سويسرا بشكلٍ خارج عن السيطرة، وجود فجوة عميقة بين الجانبين وتمترسهما وراء وجهات نظر يرى كل منهما أنها الأصح، ليتحول الموضوع برمته إلى ما يشبه «حوار الطرشان»