أثار قرار مصر وقف تزويد إسرائيل بالغاز الطبيعي القلق في واشنطن، بل أثار النقمة لدى بعض الجهات. لكن المسؤولين تعمدوا في ردودهم الأولى، وضع الخطوة في إطار العلاقة التجارية بين الجانبين، وقالوا إن معالجتها متروكة لهما ولا تخصّ الغير، كما لو أن الخلاف تقني أو مالي، أو الاثنين معاً.
لكن تهوين الموضوع وحصره في هذه الناحية لم يصمد. فالإدارة الأميركية سارعت ودخلت على خطه علناً بعد أيام قليلة من إلغاء شركة الغاز المصري لعقدها مع إسرائيل، ليس من باب الخشية على حصول نقص في الطاقة التي تحتاجها هذه الأخيرة، بل من باب العمل على محاصرة المضاعفات التي يمكن أن يجرّ إليه مثل هذا الإجراء، بحيث لا يمسّ اتفاقية كامب ديفيد من بعيد أو من قريب؛ ولا ينسحب على النزاعات التي بدأت تطل برأسها بين دول الجوار حول مخزون الغاز الطبيعي الضخم المكتشف قبالة السواحل وفي عرض البحر، من تركيا إلى مصر مروراً بقبرص واليونان ولبنان وإسرائيل.
وفي البداية، اكتفت الإدارة بالتلميح من بعيد عن عدم الرضا. ونصحت بالحفاظ على «علاقات اقتصادية جيدة» بين مصر وإسرائيل، لكن سرعان ما تغير الموقف وتطور التحرك.
وأضاف المبعوث الخاص للشرق الوسط ديفيد هيل، الذي غادر أوائل الأسبوع إلى المنطقة، في مهمة تتعلق بعملية السلام، القاهرة إلى قائمة عواصم جولته ووصلها أول أمس.
وأكدت الناطقة الرسمية في الخارجية، فكتوريا نولاند، لـ«البيان» أن وقف إمداد إسرائيل بالغاز الطبيعي المصري «سيكون على جدول مباحثاته مع المسؤولين المصريين».
وبسؤالها عما إذا كان هال يحمل معه أي مقترحات في هذا الخصوص، أجابت: «لنتركه أولاً يفاتح المعنيين بالموضوع». والترجمة، أن لديه ما يقوله في شأن هذا التطور، وهذا تحصيل حاصل.
فواشنطن ربما تفاجأت، لكن بالتأكيد استاءت من خطوة مصر لأكثر من سبب. أولاً، لأن اتفاقية الغاز التي عقدت عام 2005 لمدة 15 عاماً، استناداً إلى مذكرة تفاهم بين الجانبين؛ هي الرمز الأبرز لاتفاقية كامب ديفيد، وإحدى أهم ثمراته. وثانياً، لأن إسرائيل كانت تحصل على 40 في المئة من حاجتها للغاز من مصر بأسعار زهيدة تكاد تكون رمزية، فجاء القرار ليحرمها من هذا الامتياز، ولو أنه لن يكون له تأثير بالغ في حاجات إسرائيل، التي بدأت عمليات الحفر في قاع البحر، حيث من المتوقع مباشرة الضخ بعد حوالي سنة، حسب ما يقول خبراء الطاقة الأميركيون.
والمعروف أن الدولة العبرية تدّعي ملكية 25 في المئة من المخزون البحري المكتشف، والبالغ حوالي 122 تريليون قدم مكعبة من الغاز الطبيعي. الأمر الذي أثار اعتراضات وتحذيرات من البلدان المجاورة. وواشنطن قلقة بشكل خاص من إمكانية أن يتطور الاعتراض إلى نزاع تركي إسرائيلي.
خطوات أخرى
لكن كل هذا في كفة، وكامب ديفيد وحده في كفة. فما حمل واشنطن على التحرك بسرعة للتطويق، كان التخوف من أن يدفع التأييد العارم في الشارع المصري لخطوة وقف الغاز؛ باتجاه خطوات أخرى تلامس كامب ديفيد. فهذا في حساب واشنطن خط أحمر وحدود ممنوع دخولها.
ومع ذلك، يعرف الأميركيون أن الظروف تغيّرت، وكذلك الضوابط والاعتبارات والحسابات في مصر التي تعيش حالة شبه ثورة، للشارع فيها كلمته وتأثيره في صناعة القرار، خاصة إذا كان هذا الأخير من النوع الذي يعزز وضع صانع القرار ويحصنه بشعبية تساعده في عملية الصراع الجارية على السلطة.
ويبدو أن وقف تزويد إسرائيل بالغاز حقق مردوده في هذا المجال، حتى ولو قضى التحكيم القضائي أو المدني بشأن فسخ العقد، إلى العودة عنه.