فرجت الثورات العربية كرب الكثير من الناشطين والمعارضين المنفيين في الخارج الآملين بالعودة إلى الديار، في حين كانت الحالة السورية تأخذ منحى مغايراً ومعاكساً في آن معاً. فمنذ انطلاقة الثورة السورية، كان كل صوت مخالف لعقلية نظام بشار الأسد يجد نفسه هارباً إلى ما وراء الحدود بعد مسيرة شاقة مشياً على الأقدام برفقة أسرته في رحلة تتخللها المخاطر والهلع من ملاحقات الأجهزة الأمنية، في وقت يجد معسكر النظام السوري في هروب النشطاء ورموز المعارضة إلى الخارج مكسبا مهما يزيده قوة على الأرض ويشل من إمكانية تأثير كل من يدعم الحراك الثوري ويرشد الثوار على الأرض ويتولى زمام قيادة التظاهرات بنفسه.
ومن بين الأسباب التي دفعت النشطاء إلى الهروب إلى المنفى، تبني النظام الخيار الأمني والتعامل مع النشطاء الميدانيين وقادة الفكر بمنطق التهديد والاعتقال وأحياناً القتل تحت مسوغات مساندة الثوار على الأرض والمشاركة في تنظيم التظاهرات وحضور مراسيم تشييع قتلى النظام. وقد يضاف على كل ذلك أسباب أخرى أبرزها تواصل النشطاء مع وسائل الإعلام لنقل الأحداث على الأرض وتوثيق الانتهاكات التي يقوم بها قوات الأمن.
مرجعيات وأطباء
وتشمل لائحة الهاربين من الملاحقات الأمنية، قادة المعارضة والمرجعيات الاجتماعية والدينية وبعض النشطاء من المجتمع المدني، إضافة إلى أعضاء في لجان التنسيق المحلية والأطباء الذين يعالجون الجرحى في المستشفيات الميدانية وبعض الإعلاميين والفنانين. ويرى المراقبون أن فرار الناشطين إلى الخارج عملياً يصب في خدمة النظام. فمن جهة، يعفيه من استنزاف مجهوداته الأمنية للكف عن ملاحقة النشطاء، ومن جهة ثانية يوجه ضربة موجعة للثورة عبر ترك الشارع المنتفض يتيماً، وبالتالي يسهل احتواؤه من خلال الوسائل الأمنية والإعلامية.
سهير الأتاسي
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن النظام نجح نسبياً في استغلال الفراغ الذي خلفه بعض النشطاء والمعارضين في الداخل. فالثورة، بحسب ما يقول الناشط في المجتمع المدني جابر، «تعاني من هشاشة في التنظيم خاصة داخل أوساط حلب ودمشق». ويرجع جابر السبب إلى «فرار معظم القيادات الفكرية من الساحة الداخلية دون لعب نفس دور المؤثر في الخارج».
ويرى أن الثورة «لا بد أن تشمل كل الفئات والشرائح بمن فيها النساء»، مستشهداً بالناشطة الحقوقية سهير الأتاسي التي نظمت أول تظاهرة أمام مبنى وزارة الداخلية في دمشق. ويردف: «كانت ناشطة فعالة تتواصل يومياً مع معظم زملائها في دمشق، وتمثل قدوة للمرأة التي ترفض الذل والهون فضلاً على أنها من وضعت بصمتها على إشعال الثورة». ويتحسر جابر حالياً عن غياب دورها بعد أن هربت من الملاحقات الأمنية إلى الخارج، مستطردا: «الآن نجدها مهمشة تماماً وليس لها تأثير يذكر مقارنة مع ما كانت تفعل في الشارع حينما كانت تناضل في الداخل».
فدوى سليمان
ولعل ظهور الممثلة فدوى سليمان في العاصمة الفرنسية باريس مؤخراً أزاح نوعا من قلق أنصار نظام الأسد الذين يتهمون الحراك الثوري بـ«السلفية». ويقول مروان، النازح مع عائلته من حي الخالدية في حمص إلى دمشق وكان يشارك معها في التظاهرات: «فدوى سليمان، المتحدرة من الطائفة العلوية، قادت تظاهرات في معظم أحياء الطائفة السنية في حمص وكانت تشدد على نبذ الاحتراب الطائفي، بل وقفت كجدار صلب في وجه مخططات التي يروج لها النظام للإيقاع بين الطائفتين العلوية والسنية في حمص». ويشير مروان إلى أن «إصرارها على تكريس مفهوم الوطنية جعلها من بين أبرز المطلوبين لدى أجهزة الأمن والشبيحة، ما أجبرها في نهاية المطاف على الفرار بجلدها إلى الخارج خشية من الاعتقال والقتل تاركة وراءها ساحات التظاهرات».
فرار الشباب
ولم ينج الناشطون الشباب، الذين كانوا يتحركون ضد سطوة النظام داخل دمشق من مصير الهروب إلى الخارج. وبذلك، تلقى حراك الشباب المثقف داخل العاصمة دمشق ضربة موجعة بعدما تم ملاحقة أمثال الناشط والصحافي إياد شربحي رئيس مجلة «شبابليك» والممثلان الشابان الأخوان ملص وريما فليحان إثر تنظيم تظاهرة المثقفين والفنانين في حي الميدان العام الماضي. ويشير الناشط من تيار بناء الدولة جوان ايو الذي كان على صلة مع تحركات هؤلاء: «تقلص النضال الشباب السلمي والمدني المثقف من الساحة تدريجاً بعدما هجر النظام خيرة من الشباب الثورة عبر ممارسته الأمنية وإلقاء القبض على من تبقى في الداخل».
ضعف التنظيم
ويتم تداول بين الأوساط الشعبية حالياً أن من بين العوامل التي ما تزال تمكن النظام من الوقوف على قدميه، هو «ضعف التنظيم» الذي يعاني منه الشارع السوري بعدما كبت النظام أنفاس الحركات السياسية المعارضة طيلة أربعين عاماً ومارس ضغطا رهيبا على المعارضين والنشطاء لإجبارهم على الفرار إلى الخارج طيلة الثورة. وينتقد ايو دور المعارضة في الخارج قائلا: «من الخطأ المراهنة على التظاهرات العفوية لدك دعائم نظام استبدادي على شاكلة النظام السوري الذي يتعامل مع المتظاهرين بالحديد والنار، بل المطلوب هو استنفار كل الطاقات وتفعيل الشارع والتواصل معهم بشكل ملموس وعدم ترك الحراك دون قيادات ميدانية مؤثرة، وأن لا نتخذ من الخارج مركز لنا بحجة حرية الحركة والسهولة في التواصل مع الإعلام».
